‏إظهار الرسائل ذات التسميات قراءات. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات قراءات. إظهار كافة الرسائل

19 يناير 2013

قراءات: حنا مينه يكتب الجسد بين اللذة والألم

(المصدر: جريدة البيان – ملحق مسارات)
 يسجل كتاب" الجسد بين اللذة والألم"، لمؤلفه حنا مينا، مجموعة رؤى وتوجهات هذا الروائي السوري، التي قدمها في باقة متنوعة من الدراسات والمقالات التي نشرها في مجلات وصحف عديدة.
 ويطالعنا مينا في كتابه، بجملة تقديمية مشوقة، إذ يحكي أن والده قال له يوما: يا حنا! الدهر دولاب، لا عمَّك ولا خالك!". 
وينتقل ليسجل لنا آخر ما قالته له امرأة القبو التي تصول وتجول في روايته "الشمس في يوم غائم"، ذلك حين جاء يودعها ليغوص في بحر الظلمات: " اسمع يا صديقي، الرجل لا تذله إلا شهوته، فلا تدع شهوتك تذلك!".
إنَّ كلية الآداب لا تخرِّج أدباء، وإلاَّ لامتلأت دنيانا بأكلَةِ الهواء هؤلاء.. هكذا يقول حنا مينا، ولكن على لسان لورانس شعلول، التي هي كما يصفها، مثقَّفة ثقافة جورج صاند، في فصله عن الجسد بين اللذة والألم.
 ويدرج ما تضيفها هنا: ولكنَّني كخرِّيجة هذه الكلية أرغب في إثبات جدارتي الأدبية وسعة إطلاعي على ما أرى وأسمع.
 ومن هذا الذي سمعته أنَّ الراقصة المشهورة فيفي عبده كانت في النباهة أوفر حظاً من الروائي نجيب محفوظ، قبل فوزه بجائزة نوبل أو بعدها لا أدري، فأوقفت سيارتها الفارهة قصاده وهو يمشي على كورنيش النيل العظيم، وقالت له لا فضَّ فوها: (انظر يا أستاذ نجيب ماذا صنع بك الأدب، وما صنع بي سوء الأدب -أو قلَّة الأدب- إذا أردنا الدقَّة في نقل المأثور من الكلام).
 غير أنني، أنا لورانس شعلول مولَّعة، منذ ما قبل البلوغ بقلَّة الأدب هذه، وكونها هوايتي المفضلة، ومصدر ثروتي المتنامية ومثار رغباتي الجنسية الآثمة، فالإثم هنا هو الإثم.. وداء الجنس دائي، ورثته عن أبوي في الغرفة الوحيدة الفقيرة، التي كانت تنام فيها العائلة كلها، أنا الطفلة لصق خاصرة أمي".
وأنا أيضاً- يقول حنا مينا- عن تجربته، عندما كان يعمل في كار الحلاقة: "كنتُ في الحالمين، وكان حلمي أن أغيِّر العالم بالكلمة لا بالمقص، باعتباري آنذاك كنت حلاقاً على باب ثكنة زبائني من الجنود الفقراء الذين يتناسب فقرهم مع فقر دكان الحلاقة، رغم أنني في نزوة الشباب المبكِّر، سمَّيت هذا الدكان (صالون الزهور).
وفي هذا الصالون العاري إلا من مرآة وكرسي الحلاقة البدائيين، كتبت أوَّل عمل أدبي على شكل مسرحية أنا بطلها. وهذا البطل( الثوري الفظيع)، يغيِّر العالم في ستة أيام ويستريح في اليوم السابع!. لكنني بعد أن يئست من العمل في الحلاقة (كأجير") في بيروت، بعد أن تركت اللاذقية. انتقلت إلى دمشق للغاية نفسها، إلا أنَّ الحظ لم يبتسم لي في الشام، وكان هذا من حظي لأنَّ الصديق العزيز نديم عدي، الذي استضافني في بيته مشكوراً، قال لي، وكان من الحزب الوطني:( اسمع يا صديقي حنا لنترك الحلاقة ولعنتها ونبحث عن عمل آخر أفضل لكنه أصعب! ما رأيك أن تشتغل بالصحافة؟ نعم بالصحافة. ولماذا الاستغراب، أنت تكتب جيداً منذ كنت حلاقاً في حارة القلعة في اللاذقية، وأنا قرأت لك وأعرفك جيداً بسبب القربى التي بيننا! هكذا! من أجير مرفوض في الحلاقة إلى محرِّر مقبول في الصحافة؟ هذه نكتة!".
 وعن كتابته للرواية يقول حنا مينا:" أما أنا فقد حرصت في معظم رواياتي أن ألتقط أحداثها من المناطق المجهولة في أدبنا العربي قديمه وحديثه، كالبحر، الغابة، المعركة الحربية، الإنسان والموت.. وما التقطته كحدث كان نطفة تخصَّبت ونمت وكبرت وأوفت من خلال السياق.
 وبتعبير آخر، إنَّ هذه النطفة هي عالم فكَّكته وأعدت تركيبه، ولم أتناول هذا العالم جاهزاً، كما لم أتناول أية شخصية جاهزة في أعمالي، ففي هذه الحال ينتفي الابتكار، الاختراع، وينتفي الخيال والتخييل، وتصبح الشخصية الروائية أو القصصية في هذه الحال شخصية فوتوغرافية، صورة جامدة باهتة لا خلقَ فيها أو حياة أو فرادة... ".

المؤلف في سطور:
 حنا مينا، روائي سوري. ولد في اللاذقية عام 1924 لعائلة فقيرة، وعاش طفولته في حي (المستنقع) في إحدى قرى لواء اسكندرون. احترف العمل بداية في الميناء كحمّال، ثم احترف البحر كبحّار على المراكب. واشتغل في مهن كثيرة، من أجير مصلّح دراجات، إلى مربّي أطفال في بيت سيد غني، إلى عامل في صيدلية، إلى حلاّق، إلى صحافي، وإلى كاتب مسلسلات إذاعية باللغة العامية، وموظف في الحكومة، ثم روائي. ومن رواياته: الشراع والعاصفة، نهاية رجل شجاع. 
الكتاب: الجسد بين اللذَّة والألم/ مقالات
 تأليف: حنا مينا
الناشر: وزارة الثقافة السورية دمشق 2012
 الصفحات:472 صفحة 
 القطع: الكبير

لقراءة نصّ الموضوع كاملا»

04 أبريل 2012

قراءات: "قضية المرأة بين التحرير والتمركز حول الأنثى" لعبدالوهاب المسيري




في حوالي ساعتين قرأتُ هذا الكتاب الصغير (52 صفحة) الصادر عن نهضة مصر في سلسلة التنوير الإسلامي، يتطرق فيه د. عبدالوهاب المسيري إلى المسائل المثارة حول تحرير المرأة ويحلّل فِكر الحركات النسوية.

المقدمة
في بداية الكتاب يشير المسيري إلى أننا نستورد الكثير من المفاهيم والمصطلحات من الغرب، ولكننا للأسف لا نتناوله بنظرة نقدية، متناسين أنّ المفاهيم تحمل بالضرورة منظور واضعها وتحيزاته التي لا تماثل منظورنا بالضرورة. كما أننا نأخذ المفاهيم ونفصلها عن سياقها الحضاري والفكري العام، فلا نحدد الفلسفة التي تنطلق منها تلك المفاهيم فيما يتعلق بالإنسان ودوره في الكون. ويرى المسيري أنّ ترجمة "النسوية" لمصطلح Feminism ترجمة غير موفقة لأنها لا تنفذ إلى المفاهيم الكامنة وراء المصطلح، والتي وُضعت في إطار ما يسميه المسيري "نظرية الحقوق الجديدة" التي أدّت إلى كثيرٍ من حركات التحرر في ما بعد الحداثة. ويبيّن المسيري رؤيته للإنسان على أنه مختلف عن الطبيعة، له تركيب يمكّنه من تجاوز الطبيعة/المادة، وهذه الإمكانية هي سبب ونتيجة لمركزيته في الكون. هذا في مقابل فكر الحداثة والعلمنة الذي يسير في فلك "الحلولية الكمونية المادية"، أي أنّ "المبدأ الواحد المنظم للكون ليس مفارقًا له أو منزهًا عنه، متجاوزًا له، وإنما كامن (حالٌ) فيه، ولذا فالكون (الإنسان والطبيعة) يصبح مرجعية ذاته، ومكتفٍ بذاته" (ص4).
ولفهم الأفكار التي يطرحها المسيري لا بدّ من توضيح المراحل المكوّنة لهذا الفكر الحلولي الكموني، وهي خمس مراحل متتابعة:
أ- "الواحدية الإنسانية" حيث يُعلن الإنسان أنه مركز الكون وموضع الحلول وهو مرجعية ذاته وأنه يستطيع تجاوز الطبيعة/المادة ويتحدث باسم البشرية أو الإنسانية جمعاء.
ب- "الواحدية الإمبريالية" حيث تؤدي مرجعية الذات هذه إلى الانغلاق على النفس والتفكير فيها لا في غيرها، وسرعان ما يهتم الفرد بذاته في مواجهة غيره، وتصبح ذاته هي موضع الحلول.
ج-"الثنائية الصلبة" حيث يكتشف الإنسان أنّ الطبيعة هي كذلك موضع الحلول وهي مرجعية ذاتها مكتفية بها.
د- "الواحدية الصلبة" حيث سرعان ما تنفك هذه الثنائية لمصلحة الطبيعة/المادة فتصبح الطبيعة هي موضع الحلول الأوحد وأنّ الإنسان يتبع قوانين الطبيعة ويذوب فيها.
هـ-"الواحدية السائلة" حيث تتعدد مواضع الحلول ولا يبقى يقين ومطلق، بل كل شيء نسبي، وتفقد الطبيعة مركزيتها وتصبح الصيرورة والتغير مركز الحلول. هنا عالم ليس فيه أطراف ومركز، قاع وقمة، ذكر وأنثى، فكل شيء يقف على سطحٍ واحد. هو عالم سائل تكون فيه الأسبقية للفرد على المجتمع والمنفعة الشخصية الفردية على حساب قيم المجتمع ومتطلبات بقائه (ص8).

المساوة والتسوية
يفرّق المسيري بين حركة "تحرير الأنثى" وحركة "التمركز حول الأنثى"، فالأولى تنطلق من مفهوم الإنسانية المشتركة (الواحدية الإنسانية)، بينما الثانية تنطلق من فكرة الصراع المستمر ومادية الإنسان. وهذه الحركة الثانية متحررة من التاريخ منفتحة على التجريب المستمر، فلا تستمدّ مرجعيتها من التاريخ الإنساني لأنها ترى فيه ظلمًا على الأنثى، وإنما تعامل الإنسان كمادةٍ يمكن إعادة صياغتها على نحوٍ جديدٍ مختلف مرجعيته الوحيدة هي التغير والتجريب. لذا يدافع هذا الفكر عن "الفقراء والسود والشواذ جنسيا والأشجار وحقوق الحيوانات والأطفال والعراة والمخدرات وفقدان الوعي وحق الانتحار، وعن كل ما يطرأ وما لا يطرأ على بال" (ص10). وهذا الفكر يركز على حقوق الفرد، لا المجتمع، وكأنّ هذا الفرد كائنٌ بسيط غير اجتماعي منقطع عن أي سياق تاريخي لا تربطه علاقات "بأسرة أو مجتمع أو دولة أو مرجعية تاريخية أو أخلاقية؛ هو مجموعة من الحاجات (المادية) البسيطة المجردة التي تحددها الاحتكارات وشركات الإعلانات والأزياء وصناعات اللذة والإباحية (وفي نهاية الأمر صناعة السلاح...)" (ص11-12). في هذا العالم يركّز النظام الجديد على مفهوم الأقليات (الجماعات الدينية، والجماعات الإثنية، والشواذ، والمعاقون، والمسنّون، والبدينون، والأطفال، والنساء) لا بمعنى الأقلية العددية وإنما لتغييب فكرة الأغلبية التي تنطوي على معايير إنسانية وثوابت.

ويستكمل المسيري في الفصل الثالث تبيان الفرق بين الحركتين. تدافع حركة تحرير المرأة عن حقوق المرأة في إطار الإنسانية المشتركة وانتماء الإنسان لمجتمعه وحضارته باستقلالٍ عن المادة، وتعامل المرأة ككائن اجتماعي ينشد العدالة للجميع سياسيا واقتصاديا واجتماعيا (مع وجود اصوات متطرفة). ولكنّ التغيرات التي طرأت على الحضارة الغربية من تركيز على المنفعة المادية وتسليع الإنسان وإعلاء قيمة الجدوى الاقتصادية، زادت من الاهتمام بالقيم المادية على حساب القيم الاجتماعية والأخلاقية الأساسية. فأصبح عمل المرأة ضروريًا للنظام المادي ولم تعد الوظيفة التقليدية "الأمومة ورعاية الطفل" شيئا ذا قيمة لأنّها غير مجدية اقتصاديًا. ويذهب المسيري إلى أنّ حركة التمركز حول الأنثى هي تعبير عن هذا التحول المادي وتغييب القيمة الإنسانية، وتتبدى رؤيتها في مرحلتين يبيّنهما في الفصلين التاليين.

(1) انقسام العالم إلى ذكور متمركزين على ذواتهم، وإناث متمركزات على ذواتهن، في حالة صراع وهيمنة: هنا تبرز الواحدية الإمبريالية والثنائية الصلبة والواحدية الصلبة. تشدّد حركة التمركز حول الأنثى على الفوارق بين الرجل والمرأة وتقدم خطابا يوحي بأنّه لا توجد انسانية مشتركة بين الرجل والمرأة. المرأة هنا "متمركزة حول ذاتها تشير إلى ذاتها، مكتفية بذاتها، تود اكتشاف ذاتها وتحقيقها خارج أي إطار اجتماعي، في حالة صراع كوني أزلي مع الرجل المتمركز حول ذاته، وكأنها الشعب المختار في مواجهة الأغيار" (ص20). هنا القضية ليست الدفاع عن حقوق اجتماعية وسياسية، وإنما بحث عن الهوية، ليس الأمر نشدان للعدالة وإنما تكريس لفكرة الصراع بين جنسين متمركزين على الذات. وفي إطار هذه الرؤية تبحث دعاة التمركز على الأنثى عن تاريخ الأنثى، وتذهب بعضهن إلى وجود معارك في الزمن القديم تحوّلت المجتمعات إثرها من مجتمعات أمومية (ذات سيطرة أنثوية وآلهة أنثوية ونظام اجتماعي أنثوي) إلى مجتمعات بطريركية ذكورية، وإلى أنّ التاريخ أصبح يُسرد من وجهة نظر ذكورية يقصي الإناث. وهكذا تبرز الدعوة إلى نبذ هذا التاريخ والبدء بالتجريب المستمر و"إعادة صياغة كل شيء: التاريخ واللغة والرموز، بل الطبيعة البشرية ذاتها كما تحققت عبر التاريخ وكما تبدت في مؤسسات تاريخية وكما تجلت في أعمال فنية، فهذا التحقق والتبدي والتجلي إن هو إلا انحراف عن مسار التاريخ الحقيقي" (ص22). انطلاقا من ذلك يُدعى إلى التغيير في اللغة الذكورية (مثلا في الإنجليزية تغيير استخدام he إلى s/he، وتغيير women إلى womyn كي لا تحتوي كلمة نساء على كلمة men، وتغيير spokesman إلى spokesperson) واستخدام ألفاظ حيادية لا تحدد جنسًا. يرى المسيري أنّ هذا لا يعتبر برنامجًا إصلاحيًا وإنما سطحيًا لا يحل أي مشكلة. كل ما في الأمر هو نظرة واحدية متمركزة على الأنثى تريد التشديد على استقلال المرأة عن الرجل وعن أي سياق اجتماعي تاريخي، ووصل هذا الأمر إلى تطرفه في تمجيد السحاق، حيث المرأة لا تحتاج إلى الرجل للذة، ولا تحتاج إليه للإنجاب، مستبعدة هذا الشريك الرجل في الإنسانية المشتركة.

(2) حالة واحدية مادية سائلة لا تجد فرقا بين ذكر وأنثى، فلا صراع وإنما ذوبان في عالم بلا ملامح: بعد تحول المرأة إلى كائن متمركز حول ذاته يكنّ عداء وصراعاً مع الذكور، تنتقل إلى الواحدية الصلبة فتكون كائنا طبيعيا/ماديا يتم تفسيره في إطار المادة فقط، فلا تشير المرأة إلى ذاتها وإنما إلى طبيعتها المادية، وسرعان ما تنتقل إلى الواحدية السائلة حيث تتساوى بالرجل لأنهما هما الاثنين مادة تُختزل إلى حالة مادية لا ترى فرقا بين ذكورة وأنوثة في عالم لا مركز له لا يكترث بأية ثنائيات. يقول المسيري أنه بعدما أصبحت المرأة سوبر وومان (في حالة الواحدية الامبريالية) تحولت الآن إلى الفئة الأدنى subwoman، وطريقها إلى الكمال هو أن تتطابق تمامًا مع الرجل السوبرمان. ويذكر المسيري أنّه حتى الإله في هذه المرحلة لا يُشار إليه بhe أو she وإنما شيئا يجمعهما معًا مع الطبيعة he/she/it كما ورد في إحدى الترجمات الأخيرة للإنجيل (ص30).

وفي الفصل السادس يناقش المؤلف حركة التمركز حول الأنثى في إطار النظام العالمي الجديد. يؤكد المسيري على أنّ حركة تحرير المرأة تدرك الفوارق بين الجنسين ولكنها تسعى إلى عدم تحوّلها إلى مبررات ظلم اجتماعي، في حين أن حركة التمركز على الأنثى إما لا تجد إمكانية لتجاوز الفروق بين الجنسين وإما تنكر وجود الفروق. لذلك هم لا يعترفون بتوزيع الأدوار الاجتماعية، فالرجل يجب أن يكون أبًا وأمًا، والمرأة تكون كذلك أمًا وأبًا. ويشير المسيري إلى إمكانية ظهور محاولات في الغرب لردم أي هوة بين الاختلافات عن طريق الهندسة الوراثية بجعل الرجل يحمل مثلا، وعن طريق تمكين زواج المثليين (حيث المشاعر متساوية: يمكن للرجل أن ينجذب للرجل كالمرأة تمامًا).

أما الفصل السابع فيقارن فيه المسيري بين حركة التمركز حول الأنثى وبين حركة الصهيونية، ويرى تشابهات كثيرة بينهما. وفي الفصل الثامن يقترح البديل للدعوات العربية للتمركز حول الأنثى. يعتقد المسيري أنّ الحل ليس في التشديد على حقوق الفرد، وإنما الأجدى هو البدء من حقوق الأسرة ثم الانطلاق منها لحقوق الأفراد المنتمين إليها. ويدعو إلى إعادة الاعتبار لدور المرأة في تربية الأطفال بوصفة وظيفة إنسانية عالية القيمة دون النظر إلى الاعتبارات المادية الصرفة. ويشير إلى أنّه حتى مع الأخذ في الاعتبار الجانب المادي فإنّه يمكننا النظر إلى التجربة الغربية وقراءة الدراسات والمؤشرات التي توضح أثر ابتعاد المرأة عن الأسرة على المجتمعات الغربية ماديًا ونفسيًا واجتماعيًا. المسيري لا يدعو إلى حرمان المرأة من العمل وإنما حلّ المشكلة وفق نظرتنا، فيمكننا مثلا إعادة تقسيم يوم العمل بما يتناسب ودور المرأة كأم. كل ما يدعو إليه المسيري هو إنقاذ المرأة من هذا التوتر الناشئ عن رغبة تحقيق الذات المشروط بالتخلي عن الأسرة.

كتاب ممتاز أوصي بقراءته لكل الشباب والشابات. وأعتذر عن الإطالة إذ يصعب كالعادة تلخيص كتب المسيري لما فيها من أفكار ومفاهيم عميقة.

لقراءة نصّ الموضوع كاملا»

17 مارس 2012

قراءات: "قضايا الإسلاميين في الخليج"




كتاب ممتع ومفيد جدًا لمن يودّ التعمّق في الحركات الإسلامية وقضايا الإسلاميين في دول الخليج العربي، وهو عبارة عن أوراق بحثية مختلفة تتفاوت في عمق طرحها بطبيعة الحال. الورقتان الأولى والثانية "التنوير الإسلامي في السعودية" ليوسف الديني و "السلفيون اهل الحديث" لمنصور النقيدان تقدمان وصفًا وتحليلا مفيدًا لمن يريد التعرف إلى الحركة الإسلامية في السعودية، وأهمّ الأحداث التي جرت في العقود الماضية كاحتلال الحرم المكي وتطور فكر جماعة جهيمان العتيبي. أما الورقة الثالثة "الوطن في فكر جماعة الأخوان المسلمين" لأحمد البغدادي فتقدّم تحليلا لمفهوم الانتماء للوطن، ثم تنتقد سلوك الأخوان المسلمين في الخليج فيما يتعلق بهذا المفهوم في الكويت خاصة، ويرى الكاتب أنّ حركة الاخوان الكويتية تغلّب مصلحة التنظيم على المصلحة الوطنية في بعض مواقفها. هي وجهة نظر على أية حال. وهناك ورقة جميلة أيضًا بعنوان "الحركات الإسلامية في الخليج بين المشاركة السياسية والعنف الديني" لريتا فرج، وورقة عن علاقة الإسلاميين بمؤسسات المجتمع المدني لبسيمة حلوي، وورقة عن إسلاميي الخليج وموقفهم من الديمقراطية لنبيل البكيري، وورقة عن علاقة الإسلاميين سنة وشيعة بالإعلام في البحرين.

ومن أكثر الأوراق التي راقتني الورقة الأخيرة "سؤال التعددية المذهبية عند الإسلاميين في الخليج" لمحمد محفوظ، والتي قدّم فيها رؤية ممتازة للمشكلة الطائفية ووضع تصورًا لحلها، مستعرضًا بعض الجهود التي بذلتها شخصيات دينية وغير دينية في هذا المجال.

باختصار، الكتاب مهمّ لمن يريد أن يكون على علمٍ بالحركات الإسلامية في الخليج وتطوّرها، كالحركات المشتقة من الأخوان المسلمين، أو الحركات السلفية، أو الشيعية. وعلى المستوى الشخصي استمتعتُ كثيرًا بمعرفة تاريخ الجماعة السلفية المحتسبة (جماعة جهيمان) وتطوّر فكرها إلى حادثة احتلال المسجد الحرام، وهو أمرٌ لم يُناقش كثيرًا في الإعلام الخليجي. ولعلّ الورقة المختصرة جدًا التي تتحدث عن عُمان لم تكن على مستوى التوقع-خاصة بعد قراءة الأوراق السابقة- فرغم أنها تعرض أهم الاحداث التي جرت في العقود الأخيرة (كاعتقالات عام 1994 لأعضاء التنظيم السري، واعتقالات عام 2004 لما عُرف بمحاولة إعادة نظام الإمامة) إلا أنها لا تغوص عميقًا في التحليل. قد يُبرر ذلك بغياب الحركات والأحزاب الإسلامية في عُمان، ولكن كان يُمكن اعتبار ذلك قضية تستحق البحث والتحليل بنفسها.

كتاب أنصح به جدًا.


لقراءة نصّ الموضوع كاملا»

15 مارس 2012

قراءات: كتاب "عبدالله النفيسي: الرجل، الفكرة، التقلبات، سيرة غير تبجيلية" لعلي العميم


من يتابع لقاءات الدكتور عبدالله فهد النفيسي في السنوات الأخيرة الماضية يجد أفكارًا متسقة ثابتة إلى حدٍ ما ومكررة في كل لقاء تقريبًا، وهو يتحدث عن أمن الخليج واستراتيجيته وقضايا هامة جدًا في الفكر السياسي الخليجي والعربي. لكنّ هذا المظهر المقدَّم للعامة عبر الإعلام في السنوات القليلة الماضية لا يعبّر أبدًا عن تحوّلات النفيسي الفكرية وآرائه المثيرة للحيرة. من هنا تظهر أهمية كتابٍ يتناول سيرة النفيسي وفكره، باحثًا عن البدايات وراصدًا التحوّلات وكاشفًا الأيديولوجيات القابعة وراء النصوص. وهذا ربما ما يأمله أي قارئ يقتني كتاب "عبدالله النفيسي: الرجل،الفكرة، التقلبات، سيرة غير تبجيلية" للكاتب علي العميم، والصادر عن دار جداول عام 2012.

لا بد أولا من الاعتراف للكاتب بأنه في محاولته رصد فكر النفيسي حاول جاهدًا تغطية المراحل التي مرّ بها هذا المفكر منذ الستينيات، منذ دراسته في القاهرة ثم لبنان ثم بريطانيا وعمله في الكويت والإمارات وبريطانيا. وفي الحقيقة أنّ أفضل ما في الكتاب-في تصوري- هو إثبات السياق التاريخي والفكري العام حتى يعرف القارئ خلفية فكر النفيسي والمجال الذي يتحرك فيه. فالشكر لعلي العميم على ذلك. وهو لم يكتف فقط بنقد النفيسي نفسه، بل تعدّى ذلك إلى تحليل الحِراك الفكري في الخليج والوطن العربي فيما يتعلق بتطوّر فكر النفيسي.

ولكن، في حين أحسنَ الكاتب في تناول السياق الفكري العام بطريقةٍ تحاول التزام الموضوعية، إلا أنّه في رأيي لم يُوفق في ذلك فيما يتعلق بالنفيسي نفسه؛ فالكاتب يشنّ هجومًا شديدًا على النفيسي ويأتي على ما يسميها أخطاءه أو تناقضاته لا من سبيل النقد الموضوعي وإنما "الاستطراب بتهشيم الخصم". وعندما يصف المؤلف أحد كتب النفيسي بأنه أقرب إلى الموضوع الصحفي من البحث، يبدو لي أنه ينسى أو يتناسى أنه يفعل الشيء نفسه في الفصول الأولى من الكتاب على أقل تقدير، حيث يطرح عددًا من الاستنتاجات والتخمينات التي لا دليل عليها ولا يوجد ما يسندها. مثلا: يقول إنّ النفيسي كان يريد أن يكون مثل سيد قطب قد مرّ (كما يُزعم) بجاهلية ثقافية وفكرية قبل العودة إلى المنهج الإسلامي: "النفيسي -بحكم تكوينه القطبي منذ أن كان مراهقًا وشابًا- يمضّه أنه ليس له (جاهلية) ثقافية وفكرية، كالجاهلية الثقافية والفكرية المدعاة لسيد قطب، وذلك لأنها تعطي وهجًا وبريقًا لمن مر بهاتين المرحلتين" (ص19).

كما أنّ المؤلف يتساهل أحيانًا في إثبات المصادر التي استقى منها معلوماته، وهذا يعيب أي دراسة. هذا إلى جانب التهكم الشديد وليّ المعلومات والنصوص بقوّة كي تساعد المؤلف على الهجوم على فكرة أو رأي للنفيسي. مثلا، عندما يذكر بأن النفيسي قد قال بأنه في مانشستر قرأ كتابًا للمفكر الملحد الشهير برتراند راسل، فأصابه شيء من الهزة فذهب إلى مسجدٍ هناك دون أن يتوضأ وأخذ يراقب المصلين ولاحظ أنهم يشتركون في امتلاك "اليقين"، ثم انضم إلى حلقة تلاوة هناك وطُلب منه أن يقرأ "ألم نشرح لك صدرك"، "وإذا بها تفتح كل المغاليق" (ص35)، فيحاول المؤلف جاهدًا التشكيك في هذه الرواية (ولا أجد دافعًا هامًا لذلك)، فيقول "إن هذه الحكاية تصلح لأن تكون قصة إسلام أجنبي، يتعرف لأول مرة إلى الإسلام وإلى عالم المسلمين، وإلى المسجد وإلى المصحف...النفيسي يؤكد...أنه منذ نشأته كان إسلاميا محافظا...وهذا يتنافى مع هذه الحكاية التي رواها، التي تدل على أنه لا يعرف أن دخول المسجد لا يحتاج إلى وضوء!...ولا يدري أن هناك كتابا مقدسا لدى المسلمين اسمه المصحف الشريف!! وأنه توجد فيه سورة قصيرة اسمها الشرح مفتتحها ألم نشرح لك صدرك!!!" (ص36). لا أعتقد أنني بحاجة إلى التدليل على تقويل النفيسي ما لم يقله وتحميل الكلام أكثر من معناه بكثير جدا، بغضّ النظر عن كون الرواية صادقة أم مُختلقة.

أتمنى حقيقة على المؤلف أن يُراجع الفصول الأولى من الكتاب (فالفصول اللاحقة بداية من ص 123تحوي تحليلا جيدا)، ويحاول التقليل من لا موضوعية بعض الأحكام التي يطلقها، حيث قد يصعب على القارئ أن يثق بالمؤلف بعد أن يقرأ كل ذلك الهجوم والأوصاف التي تجرح موضوعية المؤلف (البجاحة والسماجة ص44، المزايدة الرخيصة ص137، مثلا)، إلى جانب التهكم غير اللائق (يقول ان النفيسي كان يريد ان يكون مناضلا لكن بأخف التكاليف ويريد أن يكون ثوريا لكن بأزهد الأثمان ص100)، والاستنتاجات والأحكام التهكمية التي لا يوجد ما يبررها (تخيل النفيسي وهو يتأبط كتابه النضالي الكويت والرأي الآخر أن يكون هو ريجيس دوبرييه! ويكون جهيمان العتيبي تشي غيفارا ص78).

خلاصة رأيي أن الكتاب بحاجة إلى مراجعة كي يصبح دراسة موضوعية يُعتمد عليها، ويؤسفني قول ذلك إذ إنّ التحليلات الواردة في الفصول الأخيرة جيدة وذكية. هل أنصح بقراءة الكتاب؟ ربما يفيد هذا الكتاب من له رأي سلبي مسبق ويريد تدعيمه بهذه السيرة "غير التبجيلية"، أما من يريد أن يفهم ويكوّن رأيًا موضوعيًا، فأقصى ما يفيد هو قراءة الفصول الأخيرة. لستُ مدافعًا عن النفيسي، وشخصيًا لديّ ملاحظات كثيرة على آرائه، إلا أنّ من يتصدى لرصد فكرٍ ما يجب أن يكون منصفًا لخصمه.


لقراءة نصّ الموضوع كاملا»

21 فبراير 2012

قراءات: "اليهود في الخليج" ليوسف علي المطيري




أنهيتُ قبل قليل قراءة الكتاب الشائق "اليهود في الخليج" للباحث الكويتي يوسف علي المطيري، والصادر عن دار مدارك عام 2011 في 321 صفحة من القطع المتوسط.

الكتاب في الأصل أطروحة نال عليها الباحث شهادة الماجستير، ويتناول موضوعًا قد يكون طُرح من قبل، ولكن في مقالات متفرقة وحدود جغرافية معيّنة، إلا أنها المرة الأولى على حد علمي التي يُنشر فيها بحث متكامل عن اليهود في الخليج العربي ككل.

يتعرّض الباحث لأوضاع اليهود في الخليج من حيث بداية استقرارهم، والعوامل التي شجعتهم على الاستقرار في الخليج، وأوضاعهم الاقتصادية والاجتماعية وعلاقاتهم بالسلطات المحلية والأجنبية وعلاقتهم بالحركة الصهيونية، وأخيرًا هجرتهم نهائيًا من الخليج (ما عدا مملكة البحرين التي ما يزال فيها بعض اليهود البحرينيين). ويتضح من خلال الكتاب أنهم استقروا في عُمان والكويت والبحرين والإحساء.

بطبيعة الحال من الصعب تلخيص دراسة تاريخية هنا، ولكن سأكتفي ببعض الملاحظات. لا بدّ أولا من توجيه الشكر للباحث على جهده الواضح في تتبع المعلومات من مصادر عديدة، وهذا يُحسب له. وكنتُ شخصيًا أتمنى لو أورد الباحث بعض السطور عن منهجية البحث والمصاعب التي واجهها [في تواصل شخصي مع المؤلف ذكر لي بأنه ينوي كتابة ذلك في مقدمة الطبعة الثانية]. وعند ذكر طرق البحث تتبادر إلى الذهن أسئلة كثيرة، قد يكون أهمها التالي: لماذا لا توجد سوى مقابلةٍ شخصية واحدة مع أحد اليهود الذين عاشوا في الخليج؟ هذا ليس تشكيكًا في مصداقية البحث وإنما تساؤل مشروع لا بدّ أنّ الباحث أجاب عنه في أطروحته [التي تختلف بالطبع عن الكتاب]، إضافة إلى أنّ نشر أو استخدام المقابلات البحثية يعتمد على مدى أهمية المعلومات التي أنتجتها. والسؤال الأهمّ: هل فكّر الباحث في زيارة إسرائيل للقاء بعض اليهود الذين عاشوا في الخليج؟ ربما تكون هناك محاذير أمنية/سياسية ولكن يحقّ لنا أن نتساءل كيف كان يُمكن أن يؤثر ذلك في البحث. لا شكّ في أنّ لدى هؤلاء الكثير مما يُقال. ماذا عن جيران اليهود في البحرين والكويت [لأن اليهود في عمان والإحساء هاجروا منذ زمن بعيد]؟ ما الذي يُمكن أن يضيفه هؤلاء من قيمة إلى المحتوى المتعلق بالاوضاع الاجتماعية لليهود في الخليج؟ مرة أخرى، ليست هذه محاولة انتقاص من البحث، لكنها تساؤلات أثارها هذا البحث الجميل. إضافة إلى ذلك فإنّ اليهودي الذي قابله الباحث في أميركا واحد من أهم الشخصيات اليهودية التي عاشت في الخليج، ومن الواضح أنّ الباحث استفاد كثيرًا من مقابلته [ولذلك أتساءل عن كمية المعلومات التي يمكن الحصول عليها من يهود آخرين في إسرائيل مثلا].

من النقاط الإيجابية التي تُحسب للمؤلف موضوعيته الشديدة في التحليل وإثبات الأحداث، فمهما كانت تحيزاته السياسية والقومية إلا أنه استطاع تغييبها في كتابة البحث. فمثلا، لا يحاول كثيرًا تبرير الاعتداءات التي وقعت على اليهود بُعيد قرار تقسيم فلسطين وقيام إسرائيل، ولا يتردد في ذكر التحريضات التي كانت تنشرها بعض المجلات العربية ضد اليهود في الكويت والبحرين.

ختامًا أقول بأنه بحث ممتاز يستحق القراءة لتسليطه الضوء على موضوعٍ مثير للاهتمام وسدّه فراغًا معرفيًا فيما يتعلق بأوضاع الأقليات اليهودية في الخليج.


لقراءة نصّ الموضوع كاملا»

17 فبراير 2012

قراءات: "الصراطات المستقيمة" لعبدالكريم سروش


فرغتُ قبل قليل من قراءة كتاب "الصراطات المستقيمة: قراءة جديدة لنظرية التعددية الدينية" لمؤلفه (عبدالكريم سروش)، والصادر عن منشورات الجمل عام 2009 بترجمة أحمد القبانجي.

[لا بدّ من توضيح أمرٍ هام أولا، وهو أنّ الكتاب ليس بحثًا واحدًا مركزًا على هذا الموضوع، وإنما هو مجموعة مقالات انتقاها المترجم أو الناشر من عدّة مقالات من كتب ومحاضرات لعبدالكريم سروش، وموضوع التعددية الدينية يظهر في المقالة الأولى ثم مناقشة الردود عليها، ثم المقالة الثانية (أي حوالي أقل قليلا من نصف الكتاب). أرى أنّ هذا الانتقاء تحت عنوان الكتاب الحالي غير موفّق لسببين: أولهما تضليل القارئ الذي يعتقد بأنّه سيجد نقاشا مطولا في الكتاب بأكمله لنظرية التعدد الديني، وثانيًا لأنّ المترجم/الناشر لا يوضّح معيار اختياره لهذه المقالات دون غيرها وضمّها في كتابٍ واحد، فهي وإن كانت تقدّم فكر سروش بشكلٍ جيد، إلا أنها تفتقر إلى الاتساق والوحدة في الموضوع.]

على أية حال، فالمقالة الأساسية في الكتاب "قراءة في البلورالية الدينية" ممتعة وهامة جدًا ويثير فيها (سروش) الكثير من الأسئلة. يطرح المؤلف القبول بتعدد الأديان والتسامح والتعايش بينها لأن هذا التعدد حتميّ، فلكل ديانة أدلة وحجج يؤمن بها أصحابها ويرونها أقوى من أدلة الأديان الأخرى، وهم محقّون في اعتناقهم لدينهم، ويرفض المؤلف الفكرة التي "ترى أنّ الحقانية والهداية والسعادة تكمن في اتباع دينٍ معين، وأن المخالفين والمنكرين لهذا الدين يتسمون بالعناد أو من المستضعفين والمعذورين، وأنّ كثرة الأديان توصد باب السعادة أمام البشر وتحجب أنوار الهداية عنهم" (ص6). ويستعرض المؤلف عشرة أركان تستند عليها مقولة التعددية الدينية. في الركن الأول يقول إنّ فهمنا للنصوص الدينية متعدد بالضرورة، لذا علينا الاعتراف بهذه التعددية واجتناب تصوّر امتلاكنا للحقيقة الوحيدة المطلقة. ويقول مثلا في الركن السادس أننا إذا قلنا بأنّ الله عز وجل خصّ طائفة معينة (ولنقل اليهود مثلا) بالهداية إلى "الدين الحقّ"، أي أن كلّ البشر غير اليهود محرومون من الهداية الإلهية، إذن فكيف يتجسد اسم الله "الهادي" على أرض الواقع؟ لذا يحاول (سروش) تقديم تصوّر آخر عن الهداية. في الحقيقة تتراوح الأركان العشرة في قوة حجتها، وشخصيًا وجدت بعضها غير مقنع بما فيه الكفاية. لا يمكن استعراض كل ما جاء في المقالة هنا، لكنّها بالتأكيد تثير الكثير من الأسئلة. فمثلا: كيف ننظر إلى مفهوم الكفر والالتزام الديني في ضوء هذه النظرية؟ سروش لا يرى أنّ القبول بالتعددية الدينية يستلزم التنازل عن إيمان المرء بدينه، كما أنه لا يتفق مع إطلاق حكم الكفر هكذا على الآخرين؛ فالكفر كما يقول سروش موقف يتخذه المرء من الله، وهناك الكثير من خارج الديانة (الإسلام مثلا) لم يعرفوا عن الإسلام أو لم يفكروا أصلا في العقائد أو لم يقتنعوا بالإسلام، فهؤلاء ليسوا كفارا بالمعنى الواقعي، وإنما نطلق عليهم هذا الوصف لتمييزهم عن من هم داخل دائرة الدين.

يقول سروش:
"ومع ذلك فإن مقولة الصراطات المستقيمة لا تدعي أن جميع الفرق والمذاهب على حق وأن جميع ما يقولونه يمثل الحقيقة والصواب، بل تقول، أولا: إن مقولة الهداية تفترق عن مقولة الحقّانية التامّة. وثانيا: إن كثيرا من الاختلافات واقعة بين أشكال الحق غير الخالص لا بين الحق والباطل. وثالثا: إن الحقائق متراكمة ومتنوعة وكثيرة، وأن السر في كثرة وتعدد المذاهب والفرق ليس خواء هذه المذاهب والفرق بل حيرة الناس بين الحقائق الكثيرة...ورابعًا: كما أنّ العقل ربما يتورط في طوفان العواطف ودوامة الشرور، فكذلك الدين قد يبتلى بجعل الجاعلين وجهل الجاهلين وتحريف المحرفين، ولذلك فما يصل إلى الناس من نور الهداية الإلهية عبارة عن الحد الأقل لها لا الحد الأكثر لها" (ص 65).

وفي إجابته على سؤال "إذن لا بد من تعريف الحق، هل تريدون منه المطابقة للواقع أو شيئا آخر؟" يقول سروش: "إن الحق على اي حال هو ما طابق الواقع في كلا المعنيين، إلا أن الحق في الأديان يلازم الهداية أيضًا، فعندما نقول إن هذا الدين حق لزيد، يعني "الدين الهادي لزيد" لا أنّ هذا الدين باطل وأتباعه ضالون أو معذورون". (ص103)

مما راقني في الكتاب أيضًا مقالة "تجديد الإيمان" والتي يفلسف فيها سروش معنى عيد الأضحى بأسلوب رائع من خلال تحليل معنى الإيمان.

هي قراءة انطباعية سريعة فقط للكتاب، وفي الحقيقة الأمر يستلزم قراءة كتبٍ أخرى تمثل ردود المعارضين أو تعقيبات الموافقين بشيء من التفصيل، خاصة من وجهات نظر أخرى غير الصوفية والفلسفية التي استعان بها سروش. في كل الأحوال، أجدّ الجزء الأول من الكتاب في غاية الأهمية ويستحق القراءة بكل تأكيد.


لقراءة نصّ الموضوع كاملا»

11 نوفمبر 2011

قراءات: رواية "اليهودي الحالي" لعلي المقري


يُمكنك ولا شك أن تقرأ رواية "اليهودي الحالي" للكاتب اليمني (علي المقري) في جلسة واحدة- فهي رواية قصيرة من 145 صفحة صادرة عن دار الساقي عام 2009- لكنّك رغم قِصَر الرواية ستعيش مع شخوصها وأحداثها وتساؤلاتها المطروحة بكل ما فيك من يقظة وانتباه.

يُخبرنا الراوي سالم اليهودي عن قصته التي دارت أحداثها في القرن السابع عشر الميلادي في (ريدة) في اليمن، حيث كان صبيًا في الثانية عشرة من عمره عندما عرضت عليه فاطمة ابنة المفتي أن تعلّمه القراءة والكتابة. نتعلّم بين جنبات الحكاية عن وضع اليهود آنذاك، وصراعهم للحفاظ على ديانتهم وتراثهم اليهودي في مواجهة بيئة مسلمة ومسلمين يضطهدونهم بالكلام إن لم يكن بالفعل. بين هذا تبرز فاطمة رمزًا للتسامح والسلام والحب، فهي تنظر إلى جميع البشر على أنهم خلق الله بغضّ النظر عن دياناتهم. فاطمة تكسر المألوف وتزور بيتًا يهوديًا، وتتعلم العبرية وشريعة اليهود. ينمو الحبّ بينهما فتقرر بعد أن وجدت في كلام الفقهاء ما يساعدها الزواج من سالم اليهودي الحالي (أي المليح) كما كانت تسميه، والرحيل معه.

عقدة الرواية تبدأ حين تلد فاطمة ولدًا وتموت ويُكشف السرّ أنها ليست يهودية بل مسلمة، وهنا يكون السؤال المصيري؟ هل الولد (سعيد) يهوديّ نسبة إلى أبيه حسب الشريعة الإسلامية أم مسلم نسبة لأمّه حسب الشريعة اليهودية؟

وتتوالى الأحداث ليتّخذ سالم من فاطمة مذهبًا وجوديًا، وبعدها يدوّن "حوليات اليهود اليمانية" في زمن الإمام المتوكل، ويسجّل ما عاناه اليهود من صِعاب، وما اقترفوه من جُرأة على المسلمين ووعيد بالانتقام حين يظهر المسيح المخلّص، وعقاب الإمام الذي نزل بهم وطردهم من صنعاء. وقصّة سالم وابنه سعيد تتواصل إلى الحفيد في أسلوب مماثل وهوية ومصير حائر تُختتم به الرواية [ولا أستطيع التفصيل أكثر كي لا أفسد على القارئ متعته].

رواية جميلة جدًا وتطرح تساؤلات عديدة فيما يتعلق بالعلاقة بين أبناء الديانتين في التاريخ الماضي، والإسقاطات الممكنة على الوضع المعاصر. علي المقري روائي واعد له لغة سردية ممتازة، وخيال روائي خصب، وتمكّن من أدوات اللغة، كما أنه يجيد رسم الشخصيات وحواراتها. برأيي ما يعيب الرواية هو التسارع المفاجئ للأحداث بعد رحيل سالم وفاطمة، وكأنّ المؤلف اضطر إلى حذف أجزاء من الرواية. أقولها بكل أسف أنّ علي المقري أضاع على نفسه فرصة إنتاج رواية ملحمية رائعة تخدمها الحكاية والسياق التاريخي والقضية الكبرى التي يطرحها. على أية حال، هي قصة حبّ ساحرة تدور في فلك الصراع بين أبناء ديانتين.

تستحق القراءة بكل تأكيد.

لقراءة نصّ الموضوع كاملا»

10 نوفمبر 2011

قراءات: "سيكولوجية الجماهير" لغوستاف لو بون


فرغتُ قبل قليل من قراءة كتاب "سيكولوجية الجماهير" لغوستاف لو بون بترجمة هاشم صالح، والكتاب الأصلي كان قد صدر أولا عام 1895، وأصدرت دار الساقي ترجمته للمرة الأولى عام 1991، وأصدرت هذا العام 2011 طبعته الثالثة.

لعلّ أول سؤال يتبادر إلى ذهنك أثناء قراءة الكتاب أو بعدها هو: لماذا تصدر دار الساقي طبعة جديدة من هذا الكتاب الآن؟ أولا، هل لذلك علاقة بالثورات العربية؟ إن كانت هناك علاقة فلن يتلقى أحدٌ من المتعاطفين مع الثورات هذا الكتاب قبولا حسنًا. ثانيا، لماذا يصدر هذا الكتاب الآن وقد تبيّن أن كثيرًا مما فيه إما تبيّنت منافاته للعلمية والموضوعية، وإما كلام قديم أصبح يُقال يوميًا في الصحف؟ أتفهّم أن يدرس طلاب علم النفس الاجتماعي هذا الكتاب أو خلاصة له كتأريخ لهذا الحقل الذي وضع غوستاف لو بون أساسه، ولكن تُرى ما حجم الفائدة التي ستعود على القارئ المعاصر منه؟ وكي لا أقسو كثيرًا على الكتاب، أعترف أن القارئ سيجد بعض المتعة في أجزاءٍ منه وقد يتفق مع ما يقوله المؤلف حتى لو رفض الاعتراف بذلك علنا.

خلاصة الكتاب: الجمهور السيكولوجي "النفسي" هو جمهور منظّم له روح جماعية وخصائص محددة، وفيه تذوب الشخصية الفردية الواعية لصالح الروح الجماعية، ليتشكل تركيب جديد لا يعتبر حاصل مجموع أو متوسط السمات الفردية لكل شخص. فالفرد عندما ينضوي في جماعة يشعر بالقوة فينصاع لغرائزه عن طوع واختيار ، لأنّ الجمهور لا تردعه المسؤولية كما تردع الفرد، وهو في الجماعة معرّض للعدوى من اي فعل أو عاطفة تتضخم لديه بسهولة فتجده يقوم بما لا يميل إلى فعله منفردا، فهو كالمنوّم مغناطيسيا يفقد شخصيته الواعية. هذا الجمهور في مجموعه يتسم بالنزق، والبدائية، والتبسيطية، والقابلية للتحريض، والسذاجة، والتطرف في العواطف، والافتقار إلى ملكة النقد، والتعصّب. وقد تكون نتيجة ذلك أفعال إجرامية، أو افعال بطولية، بحسب المحرّض. والجمهور لا يفهم المحاجّة العقلانية، بل يفهم الآراء المبسّطة عن طريق الكلمات والشعارات التي تبثّ صورًا في مخيلته ليس بالضرورة أن تكون مترابطة عقليا. ومن يريد التأثير في الجماهير وتحريكها عليه أن يتقن فنّ استخدام الكلمات والشعارات، وأن يتجنب المحاجة العقلانية، وأن تكون له كاريزما تقوّي آراءه، وأن يعمد إلى استخدام التوكيد والتكرار بكثرة كيما تنتشر آراؤه في الجماهير بفعل العدوى.

بالطبع هذا تبسيط واختصار شديد، لكنه يحمل الفكرة العامة التي يسوقها الكتاب. لا أستغرب كثيرًا أنّ الكتاب لم يلقَ الكثير من الاحتفاء أكاديميًا خاصة في عصره، فالأسلوب الذي يدلل به المؤلف على أفكاره لا يتسم بأية صرامة أكاديمية، حيث يُلقي بالكثير من الآراء الشخصية الذاتية دون سند موضوعي، وينزلق في تعميمات كثيرة متسرعة. هذا وسيجد القارئ صعوبة في تقبّل فكرته المرتكزة على التفريق بين الجماهير على أساس العرق، رغم أن العرق الذي يقصده متعلق بالتاريخ والحضارة والثقافة لا لون البشرة والعرق بمعناه الحرفي. من جهةٍ أخرى لا بد من الاعتراف بأنّ هناك العديد من الآراء التي قالها المؤلف تتطابق إلى حدّ كبير مع الواقع، رغم امتعاضنا من فجاجة الرأي. ليس غريبًا إذن أن تبنّت النازية والفاشية في أوروبا آراء لوبون وطبّقتها في ممارساتها الدعائية والتحريضية وغسيل المخ، وهذا ما أساء إلى سمعة لوبون كما يقول هاشم صالح في مقدمته. صحيح أنّ المؤلف له نظرة فوقية متعالية على الجماهير، وصحيح أنّ آراءه تشوبها بعض العنصرية-ربما لا واعية- إلا أنّ الكتاب لا بدّ أن يُقرأ في سياقه التاريخي.

هل أنصح بقراءته؟ إلى حدٍ ما، ولكن أعتقد بأن القارئ يكفيه "الكتابان" الأول والثاني، مع ضرورة قراءة مقدّمة المترجم.


لقراءة نصّ الموضوع كاملا»

05 نوفمبر 2011

قراءات: "هكذا قتلتُ شهرزاد" لجمانة حداد


لديّ اهتمام قديم بالخِطاب النسوي، وبالقضايا النسوية، وبما تكتبه كاتبات مثل (نوال السعداوي) و (فاطمة المرنيسي) على سبيل المثال، أو حتى من رائدات الكتابة النسوية في الغرب مثل (جيرمين غرير). لذلك كان من المتوقع أن يستحوذ كتاب (جمانة حداد) الجديد "هكذا قتلتُ شهرزاد: اعترافات امرأة عربية غاضبة" على اهتمامي. الكتاب صدر أولا باللغة الإنجليزية عام 2010 ثم توالت الترجمات بلغات كثيرة منها العربية قبل عدة أسابيع عن دار الساقي. يتكوّن الكتاب من عشرة مقالات أو فصول قصيرة، في 190 صفحة من القطع المتوسط.

تقول جمانة حداد إن فكرة الكتاب جاءت بعد سؤال استفزازي من صحفية أجنبية يستغرب أن تقوم كاتبة/امرأة عربية بتأسيس مجلة إيروتيكية باللغة العربية. وتتحدث جمانة حداد في الكتاب عن عدة قضايا متعلقة بالمرأة العربية كامرأة وككاتبة، جامعة ما بين شذرات من سيرتها الذاتية وتأملات وتعليقات على الوضع العربي فيما يتعلق بالمرأة.

لا بد أن أعترف بأنّ الكتاب جاء مخيبًا للآمال على نحوٍ كبير؛ فالكتاب يغلب عليه الخطاب "الصرخوي" الهجومي الذي لا ينفذ إلى أعماق القضايا وسياقاتها ومسبباتها وتشعباتها (إلا في إشارات جيدة واعية في المقدّمة)، بل يكتفي بالتعبير عن الغضب والتهكم. الفقرة التالية نموذج لهذا الخطاب الهجومي الفضفاض: "هكذا غالبيتنا نحن العرب، ينطبق علينا المثل اللبناني الشهير: "بدّي ياه وتفو عليه". نهجس بالجنس، لكننا لا نجرؤ على التحدث عنه. ننهى عن المنكر بيد، ونمارس الدعارة الفكرية (وهي الأدهى) باليد الثانية. أمة عربية سكيزوفرينية واحدة، متحدة، في غالبيتها الكاسحة، حول دساتير الجهل والفصام والتخلف والخبث والتكاذب وفنون الاختباء وراء الإصبع الوسطى" (ص127-128). ربما هذا هو هدف الكتاب أصلا، والخطأ كان مني حين توقعتُ أكثر من اعترافات امرأة عربية غاضبة. لا أظنني أظلم الكتاب كثيرًا إن قلتُ بأنه لم يأتِ بجديد لا على مستوى الفكرة ولا الطرح، ربما باستثناء تقديم طرحٍ نسوي جديد يسعى إلى التوازن، وهو طرحٌ ليس جديدًا بشكل كامل على أية حال.

في المقال الأول تؤكد جمانة حدّاد بأن فكرة الغرب عن المرأة العربية بأنها مغيّبة محجّبة مقموعة، الخ هي فكرة قد لا تكون خاطئة تمامًا ولكنها بكل تأكيد ناقصة، فهناك نساء متحررات مثلما هناك نساء غير ذلك، ويجب على القارئ الأجنبي خصوصًا أن يتنازل عن نظرته الاستشراقية حتى يرى الصورة كاملة. وفي السياق نفسه جاءت فقرة جميلة في المقدمة: "في الشرق أجيال وأجيال من النساء تحت نير التغييب والتكميم والإلغاء والظلامية والقمع والجهل القسري. وفي الغرب أجيال وأجيال من النساء تحت نير التسليع والتسطيح والتعهير، وتحويلهن محض أجساد معروضة للبيع" (ص28). بعد ذلك تتحدث المؤلفة عن بداياتها وكيف أنّ القراءة منحتها تحررًا فكريًا كبيرًا من خلال قراءة أعمال ربما لا تناسب سنّها، كأعمال الماركيز دو ساد. وتتحدث في مقال "امرأة عربية تكتب شعرًا إيروتيكيا" عن ضرورة تحرير الكتّاب من الخوف، وضرورة تسمية الأشياء بمسمياتها دون اللجوء إلى التوريات والاستعارات كفرض بدلا من أن تكون خيارًا.

في الحقيقة وجدتُ مقال "امرأة عربية تعيد تعريف أنوثتها" الأفضل في الكتاب كله، وهو في رأيي ما ينقذ هذا الكتاب. هنا نجد جمانة حداد تنتقد بشراسة الخطاب النسوي التقليدي المتطرف الذي يدعو إلى محاربة الرجل وشيطنته، وإلى التشبه به والتخلي عن الأنوثة لاكتساب القوة. تدعو جمانة حداد إلى توازن يحفظ للمرأة أنوثتها كما يؤكد على تشبثها بحقوقها وقوتها. أعجبني كثيرًا تهكمها من مساندة النساء النسويات لكل امرأة تدخل المعترك السياسي، وكأنه لا بد للمرأة الداعية إلى حقوق المرأة أن تساند أي سياسية فقط لأنها امرأة!

أكثر المقالات استفزازا للقارئ العربي المتديّن خاصة هو "امرأة عربية لا تخاف استفزاز الله" حيث تبيّن بوضوح عدم اقتناعها بالدين كمحدد للسلوك وطريقة الحياة، وتقول بأنّ الدين هو نتاج أشخاص عباقرة يسمون أنفسهم أنبياء أو قديسين بهدف التحكم بالجماهير مع وعدٍ بهديّة أخروية. وتشير المؤلفة إلى أنّ الإسلام والمسيحية (واليهودية أيضًا) لا يختلفان في ظلم المرأة وقمعها حتى لو بدا الوضع أوضح في الإسلام. وقد بيّنت هذه الفكرة في المقدمة عندما قالت "متى نعترف بأن لا تناغم ممكنًا بين تعاليم الأديان وكرامة المرأة وحقوقها؟" (ص23). هناك تشبيه وجدتهُ شديد التطرف في العلمانية تقول فيه جمانة حداد إنّ الصلاة يجب أن تكون مثل ممارسة الحب، شأنا خاصًا؛ فكما يُسجن من يمارس الحب في العلن بتهمة الإساءة إلى الأخلاق والذوق العام، كذلك تجب معاملة من يحوّلون معتقداتهم الدينية إلى كرنفال (ص158).

المقال الأخير "بيان الجريمة: هكذا قتلت شهرزاد" يوضّح رأي المؤلفة في أن كثيرا من النقاد يضخّمون شهرزاد ويبينونها على أنها رمز للمقاونة والعنفوان النسائي، في حين أنها تمثل مسايرة الرجل بإعطائه ما يريد من أجل اكتساب الحرية والحقوق. لذلك، فقد قررتْ قتل شهرزاد.

الخلاصة..هو كتاب ربما يجده بعض الغربيين مثيرًا للاهتمام جريئًا صادمًا (كتب ماريو فارغاس يوسا عن الكتاب أنه "شجاع ومنير حول النساء في العالم العربي")، لكن القارئ العربي-المطّلع على الخطاب النسوي خاصة- لن يجد فيه أكثر بكثير مما قد تقوله فتاة مراهقة متمردة في مدوّنة شخصية. كان يُمكن لهذا الكتاب أن يكون أفضل بكثير جدًا وأن يضيف قيمة كبيرة إلى النتاج النسوي العربي لو أن الكاتبة تمهّلت فيه وتعمّقت أكثر (مثلا: في مقالها حول إصدار مجلة جسد، كان بإمكانها الإسهاب في ما تشكله هذه المجلة من إضافة فكرية/ثقافية/فلسفية بدلا من الاكتفاء برجم منتقديها بالرجعية وازدواج المعايير) . لا أريد أن أظلم جمانة حداد كثيرًا، لكنني لا أوصي بأن يكون هذا الكتاب أولوية لأي قارئ/قارئة.


لقراءة نصّ الموضوع كاملا»

20 أكتوبر 2011

قراءات: كتاب In Ishmael's House


أنهيتُ مؤخرًا قراءة كتاب "في بيت إسماعيل: تاريخ اليهود في البلاد الإسلامية In Ishmael’s House: A History of Jews in Muslim Lands" لمؤلفه البريطاني السير (مارتن جلبرت Martin Gilbert). الكتاب صادر عن مطبعة جامعة ييل عام 2010 في 424 صفحة من القطع الكبير.المؤلف له أكثر من ثمانين كتابًا أغلبها عن اليهود والمحرقة اليهودية، إلا أن أشهر كتبه على الإطلاق هو سيرة رئيس الوزراء البريطاني ونستن تشرتشل المكوّنة من ستة أجزاء، حيث يُعتبر المؤلف هو المؤرخ الرسمي لتشرتشل. وتقديرا لهذا الجهد الكبيرفي سيرة تشرتشل وغيرها من الكتب التاريخية مُنح المؤلف لقب "سير" عام 1995.

أما الكتاب الذي نحن بصدده فيتألف من 22 فصلا يتحدث فيها المؤلف عن أوضاع اليهود في البلاد الإسلامية منذ ما قبل ظهور الإسلام وحتى يومنا هذا. ليس هناك شك في أنّ موضوع الكتاب وفكرته في غاية الروعة والتميز، وموضوع كهذا لا بد أن يضيف الكثير للباحثين والسياسيين حتى يكوّنوا فهمًا أفضل لتطوّر العلاقات بين العرب واليهود على مدى التاريخ. ومن الواضح أن المؤلف قد بذل جهدًا في قراءة الكثير من المراجع، وعقد لقاءات واتصالات مع عديد من اليهود الذين كانوا يسكنون البلاد الإسلامية قبل خروجهم منها.

ولكن، وأقولها بأسف، أنّ الكتاب جاء مخيبًا لكثير من آمالي الشخصية، وخائبًا فيما يتعلق بالكتابة الأكاديمية والتاريخية خاصة في الفصول التي تتحدث عن فترة ما قبل الإسلام وحتى قيام إسرائيل؛ فالمؤلف في حقيقة الأمر لم يفعل شيئا سوى التجميع من المصادر المختلفة، ولم يقدّم أي تفسير أو تحليل أو إضافة عليها بصمته الشخصية. يتحدث عن حالات من الاضطهاد عانى منها اليهود أو حالات من التسامح والانسجام والازدهار في بلد أو آخر، لكنه لا يبذل أي جهدٍ عقلي أو بحثي لتقديم سياقٍ تاريخي أو اجتماعي يفسّر الأسباب (باستثناء مرحلة بُعيد ظهور الإسلام، وما بعد قيام إسرائيل). كلّ ما يريده منك المؤلف هو أن "تشرب" المعلومات التي يقدّمها لك، أي أن تعرف ما حصل (من وجهة نظره) ولكن لا سبيل لكي تفهم أي شيء. استغربتُ كثيرًا من هذا المؤلف الذي يذكر عهدًا من الاضطهاد والتمييز ضد اليهود في دولةٍ إسلامية، وبعد فصل أو اثنين يتحدث عن عهدٍ من الازدهار والرخاء والتسامح في الدولة نفسها، دون طرح السياقين والمقارنة بينهما كي نعرف لماذا حدث ما حدث. التفسير (الجاهز) الوحيد الذي يقدمّه المؤلف هو تغيّر الحاكم. أتفق مع المؤلف في أنّ الحاكم ومزاجه ومدى تسامحه أو تعصبّه له دور كبير في أحداث كهذه، ولكن هذا التفسير وحده لا يكفي، كما أن هذا التفسير لا يقول لنا لماذا هذا الحاكم متعصب أو متسامح.

ومما يُفقد هذا الكتاب مصداقيته من وجهة نظري هو التحيّز الواضح لجانب واحد (اليهود). كل المصادر أو غالبيتها العظمى لكتّاب يهود/صهاينة، وكل المقابلات والمراسلات كانت مع يهود. كان من الواجب على المؤلف أن يسعى لطرح الرؤية الأخرى أيضًا ويترك للقارئ الحكم. وسيلاحظ القارئ أن المؤلف يعتمد كثيرًا جدًا في معلوماته وإحالاته (خاصة في الفصول قبل قيام إسرائيل) على "الموسوعة اليهودية". هذا وهناك مواضع ذكر فيها المؤلف ألفاظًا أو جملا لا يُمكن أن تُقبل في بحث تاريخي أكاديمي، حيث يُفترض أن تكون اللغة محايدة ولا تشتمل على إطلاق أحكام. خلاصة..كتاب لا أنصح به. هذا وهناك أحداث ومعلومات كثيرة (خاصة في الفصول قبل قيام إسرائيل) يذكرها المؤلف دون الالتزام بإثبات المصدر.

وللأمانة فقد استفدتُ من أحد الفصول في نهاية الكتاب، حيث عرّفني على أمر لم أكن أعرفه، وهو استمرار المطالبات الإسرائيلية على مستويات دولية عالية بتعويض "اللاجئين" اليهود الذين طُردوا من البلاد الإسلامية بعد قيام إسرائيل. ووفقا للمؤلف فإن هناك اهتمام متزايد بهذه القضية دوليا، ودعوة لمطالبة البلاد العربية/الإسلامية بتعويض اليهود الذين سُلبت أموالهم وممتلكاتهم بعد طردهم.

قد يبدو أنني متحامل جدًا على المؤلف، وربما لا أستطيع أن أخفي تحيّزي أنا الآخر. لكن، لستُ وحدي من ينتقد هذا الكتاب والمؤلف. مثلا، يقول روبرت إرون في صحيفة الإندبندنت البريطانية أن استخدام المؤلف للمصادر في بعض الأحيان يدعو للشك، ويذكر بعض المصادر السيئة التي استخدمها المؤلف وثُبت تزييفها للحقائق. وقد نشر موقع معهد "Institute for Historical Review" مقالا لروبرت فوريسون بعنوان "كيف يزيّف المؤرخ جلبرت ويخترع"، بينما قال البروفيسور اليهودي البريطاني- العراقي الأصل- (آفي شلايم) بأن المؤلف "مؤرخ حكّاء، وليس مؤرخا تحليليا"، وبأن المادة التي استخدمها مُنتقاة (على هوى المؤلف) ومتركزة بشكل ضيق جدًا على اليهود، وتفتقر إلى سياق سياسي واجتماعي واقتصادي أوسع حتى يتمكن القارئ من وضع المجمع اليهودي في أي دولة إسلامية في إطاره التاريخي الصحيح.


لقراءة نصّ الموضوع كاملا»

18 أغسطس 2011

قراءات: كتاب "خرافة التقدم والتأخر" لجلال أمين


سمعتُ عن هذا الكتاب أول مرة قبل عام في برنامج "بيني وبينكم" للدكتور محمد العوضي، ونويتُ أن أقرأه ذات يوم، وقد فعلتُ أخيرًا. الكتاب من تأليف الدكتور جلال أمين أستاذ الأقتصاد والمفكر المصري الشهير، وهو عبارة عن عدة مقالات في موضوع التقدم والتنمية والمفاهيم المرتبطة بهما وكيفية تعامل أهل الشرق مع هذه المفاهيم. يقع الكتاب في 169 صفحة وهو صادر عن دار الشروق عام 2005.

فكرة الكتاب ممتازة جدًا ويجيد المؤلف الدفاع عنها بالأمثلة والحجج العقلية المناسبة، حيث يحاول في هذا الكتاب تنبيه العرب إلى زيف أو "خرافة" مفهوم التقدّم، خاصة حين يؤخذ كما هو من الغرب، إذ يؤمن جلال أمين بأن التقدم والتنمية وحقوق الإنسان لا يُمكن أن نأخذها جاهزة معلبة من الغرب بتحيزاته وقواعد حضارته هو، بل يجب أن نضعها في سياق ثقافتنا وحضارتنا. ومن أروع مقالات الكتاب مقال "التنمية الإنسانية" الذي وجّه فيه جلال أمين نقدًا عميقًا متميزًا لتقرير التنمية الإنسانية العربية، وبيّن أوجه ضعفه وتحيّزاته إلى المفاهيم الغربية.

هذا الكتاب ضروري جدًا لشبابنا كي لا ينجرّوا لاهثين خلف شعارات الديمقراطية وحقوق الإنسان والتنمية والتقدم كما يروّج لها الغرب، دون أن يكونوا على وعيٍ باحتياجات ثقافاتهم وخصوصيتها، ودون أن يعرفوا حقيقة هامة وهي أنّ التقدم في بعض أوجه الحياة لا يعني بالضرورة التقدم في كل شيء، فتقدّم الحضارة الغربية في التقانة والعلم و"الحريات" يقابله تأخر في بعض القيم الإنسانية والأخلاقية والجمالية.

باختصار، هو كتاب هام أنصح به جدًا، رغم أنني تمنيتُ أن لا يكون الكتاب عبارة عن مقالات متفرقة مجمّعة هكذا وإنما كتاب له تسلسل واضح وفكرة تنبني شيئا فشيئا عبر فصول الكتاب. كما أنّ بعض المقالات لم تتعمق في فكرتها وتؤصل المفهوم الذي يتحدث عنه الكاتب، وإنما كانت تعرض بشكل سريع للقضية. مرة أخرى، آخذ على جلال أمين أن يصدر كتابًا فكرته وحججه جيدة، إلا أنّ أسلوب العرض هو أسلوب مقالات صحفية ليس مجالها التعمق والتأصيل والتنظير.


لقراءة نصّ الموضوع كاملا»

17 أغسطس 2011

قراءات: كتاب "الوزير المرافق" للقصيبي


فرغتُ قبل قليل من قراءة كتاب "الوزير المرافق" للكاتب غازي عبدالرحمن القصيبي يرحمه الله، والذي كان يوم أمس الأول 15 أغسطس الذكرى الأولى لرحيله. هو كتاب لطيف ظريف، يقع في 209 صفحات من القطع المتوسط، صادر عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر عام 2010، وهو الإصدار قبل الأخير للقصيبي.

الكتاب عبارة عن مجموعة مقالات دوّن فيها القصيبي ملاحظات حول لقاءاته ببعض زعماء العالم بصفته الوزير المرافق لذلك الزعيم، أو الوزير المرافق للملك السعودي أو وليّ عهده. ويتنوّع الزعماء الذين يتحدث عنهم القصيبي ما بين شرقيّ وغربيّ، فهناك الرئيسان الأمريكيان نيكسون وكارتر، وملكة بريطانيا ورؤساء وزرائها، ومستشار ألمانيا، وأنديرا غاندي، وميتران، والعقيد القذافي، والحبيب بورقيبة، وعيدي أمين، والملك الحسن ملك المغرب.

في كلّ مقال تجد القصيبي يحاول كشف بعض الجوانب في الشخصية التي يقابلها، وقد تكون جوانب غير معروفة (كدور زوجة الإبن لدى أنديرا غاندي، أو سعة الاطلاع الأدبي لدى الملكة إليزابيث)، أو معروفة (كجنون العقيد القذافي ونظرياته الغريبة، وغرابة تصرفات عيدي أمين). وبين هذه الملاحظات الشخصية نجد ايضًا حديثا في السياسة وتطور العلاقات الدبلوماسية أو تدهورها بين السعودية والدول الأخرى، إلى جانب تقييم شخصي من القصيبي لذكاء تلك الشخصية وتمرّسها السياسي وتصرفاتها.

استمتعتُ كثيرًا بقراءة ما كتبه القصيبي عن الحبيب بورقيبة، وعن الحكايات المجنونة التي حدثت مع العقيد القذافي ونظرياته وكتابه الأخضر. والقصيبي لا يفوته أن يذكر الكثير من المواقف المضحكة، كزيارة عيدي أمين للسعودية وهو يرتدي زيا غريبًا يظنّ أنه زي سعودي، ولغة الرئيس الجيبوتي العربية المكسّرة التي دعت الملك فهد إلى أن يشرح له أمرًا ما بالإنجليزية، فقال الأول في احتجاج غاضب: "إنت كلّم انجليزي ليه؟ أنا أربي زيّك! أنا أحكي أربي!".

هو كتاب لطيف وممتع كما قلت، ولكنني مؤمن جدًا أن القصيبي لم يقدّم فيه نصف ما يستطيع فعلا أن يقدّمه، ولا أظنه أضاف الكثير لما دوّنه بعفوية في أوقات تلك اللقاءات، ومردّ هذا النقص قد يكون تدهور صحة القصيبي في السنين الأخيرة. يبقى أن الكتاب يسجّل بعض الشهادات التي قد تكون مثيرة للاهتمام، وقد لا تكون، فعلم ذلك عند المؤرخين والمختصين.




لقراءة نصّ الموضوع كاملا»

30 يناير 2011

كتب تجمعنا: قراءة في رواية "موستيك" للكويتي (وليد الرجيب)


ضمن مبادرة "كتب تجمعنا" التي تشترك فيها هذه المدوّنة مع المدوّنة الكويتية "مكتبتي" قرأتُ رواية "موستيك" للكاتب الكويتي (وليد الرجيب)، الصادرة عن دار الفارابي عام 2008في 172 صفحة.

شدّتني هذه الرواية ولا أعرف حقًا السبب الحقيقي الذي جعلني أقلّب صفحاتها بسرعة لأصل إلى النهاية دون إحساس بالوقت. ربما لأنها تتحدث عن الكويت التي طالما تعلقت بها بفضل فنانيها، وربما لأنها تتحدث عن سرّ يجعل القارئ يلهث حتى يعرفه في نهاية الرواية، وربما لسلاسة السرد وجماله، وربما لأن الرواية تتحدث عن حقبة الستينيات المثيرة والتي يصفها السارد بأنها "مرحلة سحرية بالنسبة لي، فهي مرحلة ألفيس برسلي والبيتلز والبيتش بويز، ومرحلة بعض الموظفين الكبار الذي يحضرون معهم ظهرًا الجريدة الرسمية "كويت اليوم" وثلاجة يدوية مليئة بالبيرة من شركة "كري مكانزي"، كانت مرحلة دوي المكيفات، ومرحلة غناء عوض الدوخي بعد أخبار الواحدة ظهرًا، مرحلة أمير الكويت عبدالله السالم الصباح عندما كان يمر بسيارته الكاديلاك على الدوار الذي يفصل بين منطقة العديلية والفيحاء والروضة والنزهة، ونحييه تحية عسكرية ونحن صغار..أيام شوربة العد في المدارس". (ص14-15).

بطل الرواية مصطفى الملقّب بـ"موستيك" شخصية جميلة أجاد المؤلف في صياغتها، ومنذ البداية يريد (وليد الرجيب) منا أن نعرف أنه "ليس إنسانًا عاديًا، بل كان أشبه بالأسطورة منذ يوم ولادته" (ص12). وُلد (موستيك) استجابة لدعاء والدته عند ضريح الإمام الرضا، وكان منذ صغره غير عادي. كان يفكك كل الأشياء ويحاول إعادة تركيبها، وكان شجاعًا يحب ركوب الخطر. ومثل أبطال "الحرافيش" كان (موستيك) قويًا شجاعًا لا يُغلب في المعارك، وكان جميع "الفتوّات" في الحارات المحيطة يهابونه. ومع ذلك نجده نبيلا ذا أخلاق فروسية، فلا يعتدي على أحد، ولا يبطش بضعيف، بل ونجده رقيقًا رومانسيًا في علاقته مع "خيجوه" (تدليل خديجة) يحبها ويكتب اسمها على جدران غرفته، رغم معرفته بعلاقاتها مع صبيان الحارة، فهو يعتبرها ضحية.

أعجبتني التقنية السردية التي اتبعها المؤلف والتي تذكرنا بفيلم "المليونير المتشرد"، حيث تأخذنا لحظة ما في مشهد معين إلى مشهد أو مشاهد عديدة في الماضي. أحداث الرواية كلها تدور في سويعات في يومٍ واحد إثر حريق شبّ في بئر نفط يُعتقد أن موستيك هو المتسبب به، ولكن الانتقالات من الحاضر إلى الماضي وإلى المستقبل أيضًا هي التي تملأ الرواية. والجميل أن الانتقالات كانت سلسة مُريحة، لا تنفّر القارئ أو تشعره بثقل.

هناك الكثير من الرسائل أو الثيمات الفرعية التي يتناولها المؤلف في هذه الرواية، ومن أبرزها الاعتراف بالتعددية في المجتمع الكويتي، فموستيك وعائلته من "العجم" أي ذوي الأصول الإيرانية، وكذلك خيجوه وعائلتها، ولكن الرواية لم تعاملهم كـ"آخرين" بل ككويتيين رغم اختلاف اللغة والمذهب الديني. ولا نجد في السرد أي تحرّج من استخدام اللغة الفارسية، أو استخدام الأسماء ذات الصبغة الفارسية مثل "دي علي" (أم علي) و "دي زارو" (أم زهرة)، و "فاتي" (فاطمة)، إلى جانب ذكر بعض الطقوس الدينية "الشيعية" فهي جزء من المجتمع الكويتي. وربما أراد المؤلف أن يؤكد على رسالة التعددية هذه في حوار بين موستيك والبدويّ (مانع نهار) حيث يسأل موستيك: "أليس من المفروض أن البدو والعجم أعداء؟" فيردّ مانع: "البشر واحد كلهم مواطنين، لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى، أنت كويتي وأنا كويتي، وش هالخرابيط! في الكويت ناس نزحوا من كل مكان من تركيا إلى العراق إلى إيران إلى نجد إلى فلسطين إلى الهند إلى مختلف الأصول، كلهم عندهم جنسية كويتية وكلهم مواطنين يحبون الكويت" (ص163).

لديّ ملاحظة أخذتها على المؤلف تتعلق بالحواشي، فقد كان المؤلف يورد أحيانًا جملا بالفارسية على لسان بعض الشخصيات "العجمية" ويضع بجانبها الترجمة العربية بين قوسين، إلا أنه كان يكرر هذه الترجمة في الحاشية، وهذا تصرف غريب أو خطأ لم ينتبه إليه في المراجعة النهائية للرواية قبل الطباعة.

الرواية بشكل عام جميلة في تسليطها الضوء على عالم الستينيات في الكويت، حيث نشهد دخول الأجهزة الحديثة كالراديو والتلفزيون والغسّالة الكهربائية، ونعيش في الحارة الكويتية في منطقة "حولّي" بصبيانها ورجالها ونسائها. والرواية جميلة في خلقها شخصية مثيرة مثل موستيك (والذي بالمناسبة لا يحضر بشكل مباشر كثيرا في الرواية)، رغم أن النهاية كانت محبطة بعض الشيء إذ يشعر القارئ أنها صيغت على عجل لإنهاء الرواية. برأيي أنّ المؤلف لديه مهارة واضحة في خلق الشخصيات بشكلٍ يسهّل على القارئ تخيّلها والعيش معها، ولغة سلسة فصيحة سليمة واقعية حين يحتاج الموقف، وقدرة على الإمساك بخيوط السرد بشكل جميل، إلا أنه (في هذه الرواية على الأقل) لا يمتك نفسًا روائيًا طويلا. أتطلع إلى قراءة رواية أخرى لهذا الكاتب، وقد تكون رواية "بدرية" التي يبدو أنها نالت على إعجاب الكثيرين.


لقراءة نصّ الموضوع كاملا»

02 يناير 2011

قراءات: رواية "معذبتي" لـ(بنسالم حميش)


أنهيتُ في الأيام الماضية قراءة رواية "معذّبتي" للروائي والوزير المغربي (بنسالم حمّيش)، وهي الرواية التي وصلت إلى القائمة القصيرة في جائزة البوكر العربية. الرواية صادرة عام 2010 عن دار الشروق في 295 صفحة .

يحكي لنا في هذه الرواية (حمّودة الوجدي) تجربته القاسية في معتقل تعذيب قضى فيه حوالي 5 سنوات من العذاب المتواصل. شخص بريء يُزجّ به في غياهب السجن وفظائع التعذيب كي يعترف بأشياء لم يرتكبها ولا يعرفها، أو يقبل الانخراط في خدمة معذبيه جاسوسًا يخترق تنظيمات سلفية أو غيرها.

من البداية نعرف أنه استطاع الخلاص من المعتقل بمساعدة امرأة من وطنه تزوّده برسالة تشرح له كيف يمكنه الخروج من ذلك الجحيم، وبعدها يقرر أن يقصّ حكايته كي تكون شهادة حقيقية على ما جرى له وما شاهده في ذلك المعتقل الرهيب. لا نعرف أين يقع هذا المعتقل بالضبط، ولا الدولة المسؤولة عنه بشكل مباشر، إلا أنّ القارئ يستطيع بسهولة استنتاج المتحكم الرئيسي في هذا المعتقل.

راقني جدًا الاستخدام اللغوي للكاتب، حيث عمد إلى استخدام لغة فصيحة قد تكون قديمة كلاسيكية في الغالب، ولكنها سلسة تنساب ألفاظها دون مشقة، وحين يكون الأمر ضروريًا نجد مفردات عامية هنا وهناك، وحين يستحق الموقف بعض البذاءة أو كثير منها لا يتردد الكاتب في ذلك.

الأحداث وأشكال التعذيب تبدو للقارئ فانتازية، وفي بعض الأحيان كوميدية سوداء، ولكنها ليست مستحيلة. للكاتب أسلوب طريفٌ جدًا فيستطيع إضحاكك رغم الشقاء الكامن في أحداث الرواية. رواية جميلة استمتعتُ بقراءتها رغم أنني لم أستعذبها في البداية لأنني اعتقدتُ أنها ستكون تكرارًا لرواية "تلك العتمة الباهرة" أو "الآن هنا" أو غيرهما من روايات السجون، إلا أنّ هذه الرواية لها طعم آخر. لا شكّ أن شخصية (ماما غولة) التي تعذّب المسجونين ستبقى في الذاكرة وقتًا طويلا، فقد أبدع الكاتب في خلقها أيما إبداع.


لقراءة نصّ الموضوع كاملا»

25 نوفمبر 2010

قراءات: رواية "مدرّس ظفار" لـخالد البسّام


قرأتُ يوم أمس رواية "مدرّس ظفار" للكاتب البحريني (خالد البسّام)، وهي رواية صدرت قبل أشهر قليلة عن دار الأمل في بيروت في 224 صفحة من القطع الصغير. ما دفعني إلى اقتنائها وقراءتها هو ما قرأته عن قصتها، وكيف أن أحداثها تدور حول ثورة ظفار في السبعينيات من القرن الماضي.

القصة باختصار شديد تحكي عن طالب بحريني يدرس في القاهرة وهو عضو في إحدى التنظيمات السرية اليسارية، يتلقى أوامر بالانضمام إلى ثورة ظفار وذلك بالتدريس في مدارس الثورة في مدينة الغيظة على الحدود اليمنية العمانية. وخلال السنة التي قضاها المدرّس هناك يتعرف إلى الثورة وأشخاصها عن قرب ويصطدم بالواقع الذي يختلف عن الثورة والمبادئ الثورية التي تركزت في عقله.

أصدقكم القول إنني لم أستمتع كثيرًا بقراءة الرواية، ولا أقول إنها سيئة. ربما كانت توقعاتي مختلفة عما وجدته في الرواية. المثير للانتباه في هذه الرواية هو أنها-بعكس رواية وردة مثلا- لا تمجّد التجربة الثورية وتنساق وراء الشعارات والأحلام، بل تحاول تسجيل الواقع وإبراز نواقص التجربة وسلبياتها.

من يبحث عن الإثارة والأحداث المتلاحقة المتسارعة لن يجدها في هذه الرواية. والحدث الأهم الذي يُعتبر مفصل الرواية وجدته مبالغًا فيه ولا يستحق أن يكون منعطف رواية أدبية قوية، إلا أنّ ذلك لا يعني أن الحدث لا يمكن أن يكون قد حدث فعلا في الواقع. كل ما في الأمر أنه بدا لي غير مقنع، أو لم تسبقه تهيئة في الأحداث أو السياق. ومن الملاحظات التي أخذتها على الرواية أنها أطالت كثيرًا في مرحلة ما قبل وصول البطل إلى المدارس (حوالي نصف الرواية)، بينما يتوقع القارئ أن تدور أغلب الرواية هناك. أما لغة الرواية فكانت مباشرة مختصرة جدًا تشبه اللغة الصحفية، ومن يبحث عن اللغة الأدبية الجميلة لن يجدها أبدًا في هذا العمل.

من جهةٍ أخرى قد يستمتع القارئ بوصف المكان الذي يحتوي على مدارس الثورة، وعلى سوق الغيظة وعدن بشكل عام.وأرى أن المؤلف أجاد في تسجيل التحولات النفسية الفكرية لدى البطل، والتي لها إسقاطات رمزية عديدة على واقع الثورة. بشكلٍ عام نستطيع القول بأن المؤلف نجح في إيصال الثيمة الرئيسة للرواية، ألا وهي إيضاح الفرق بين أحلام الثورة ومبادئها النظرية المثالية، وبين التطبيق والوضع على أرض الواقع. وفي رأيي أبدع المؤلف أيما إبداع في مشهد في نهاية الرواية عندما كان المدرس يتحدث مع أحد تلاميذه حول الثورة.

ولكن، وهذا رأي شخصي بحت، كان يُمكن أن يستغل المؤلف موضوع الرواية ومكانها بشكلٍ أفضل. عمومًا، كانت محاولة جيدة للمؤلف يُشكر عليها، ولعلّ قراء آخرين يستمتعون بهذا العمل أكثر مني.


لقراءة نصّ الموضوع كاملا»

25 أكتوبر 2010

قراءات: كتاب "العولمة" لـ(جلال أمين)


انتهيتُ قبل ساعات من قراءة كتاب "العولمة" للدكتور (جلال أمين)، الصادر في طبعة جديدة مزيدة عن دار الشروق عام 2009، بعد أن كان قد صدر عام 1999 و 2000 و 2001 في ثلاث طبعات من دور أخرى.

الكتاب فيما يبدو لي عبارة عن مجموعة مقالات كثيرة جمعها المؤلف في أبواب أو فصول خمسة هي: حقيقة العولمة، و العولمة والهوية الثقافية، والعولمة وثورة المعلومات والاتصالات، و العولمة والمجتمع الاستهلاكي، و العولمة وحضارة السوق، و العرب بعد مائتي عام من العولمة.

هو أول كتاب أقرأه للدكتور جلال أمين- وهو المفكر الاقتصادي والأكاديمي الكبير- بعد أن سمعت عنه في حلقة للدكتور (محمد العوضي)، وكنتُ قد سمعت عن كثرة ما كتب هذا المؤلف في العولمة.

قد يكون الفصل الأول هو الأفضل والأهم في الكتاب كله، حيث يفكك المؤلف ظاهرة العولمة ويبين حقيقتها، فيتحدث جلال أمين عن قِدَم ظاهرة العولمة، وبروزها بشكلٍ قوي في العقود الأخيرة على يد الشركات الكبيرة المتعدية الجنسيات. وأعجبني كثيرًا تحليل المؤلف لأسباب ظهور العولمة بشكلها الحالي، وتعملق الشركات الكبرى ونفوذها، وانحسار دور الدولة أمامها. كما أبدع المؤلف في مقال "ما الذي يجري عولمته؟" حيث يستنكر كثرة الحديث عن العولمة بشكل يصورها على أنها باب الحرية والانفتاح وحقوق الانسان والديمقراطية والرفاهية وما إلى ذلك عن طريق التكنولوجيا الحديثة، مما جعلنا ننسى أن التكنولوجيا هي وسيلة إنتاج عظمناها كثيرا وتغنينا في فوائدها ولكننا لم نتوقف لنسأل أنفسنا ما الذي يتم إنتاجه أصلا تحت ظل العولمة؟!

أما الفصول التالية فتتراوح في درجة قوتها وإقناعها-طبعا في رأيي الشخصي- ولكنني وجدتُ إشارة المؤلف إلى وهم "عصر المعلومات" هامة جدًا. يقول المؤلف إننا نصف عصرنا العولمي الحالي بأنه عصر المعلومات، ونفرح كثيرًا، ولكن المعلومات لا تعني بالضرورة المعرفة أو الفهم، وفي الحقيقة فإن كثرة المعلومات غير المترابطة التي تأتينا عبر وسائل الإعلام لا تجعل لنا مجالا للتفكير فيها أو معرفة أسبابها أو الخروج بأية حكمة. كثرة المعلومات تجعل المرء مستقبلا أبله. في الحقيقة أتفق جدًا مع المؤلف، وأرى أنّ هناك الكثير من الغث وغير المهم مما تقنعنا وسائل الإعلام والإنترنت بأهمية معرفته.

ومن أهم الفصول كذلك فصل "العولمة وحضارة السوق" حيث يحلل فيه المؤلف أثر التسويق وحضارة السوق على الأخلاق والأسرة والقيم والسياسة وأشياء أخرى كثيرة. سيدهشك أن تفكر فيما يفعله التسويق وحضارة الربح والتجارة في الإنسانية، إذ إنها هي المستفيدة أولا وأخيرًا من انسلاخ الأفراد من قيمهم وأسرهم ودياناتهم.

ليس هذا عرضًا للكتاب بالطبع بل مجرد انطباع عنه، وهو كتاب جيد يستحق القراءة، وإن كان يعيبه بعض التكرار في الأفكار، والميل إلى أسلوب المقالات الصحفية الباهتة أحيانا، والتي لم أكن أنتظرها من شخص أكاديمي.


لقراءة نصّ الموضوع كاملا»

06 سبتمبر 2010

قراءات: "خفايا التوراة وأسرار شعب إسرائيل"


قرأتُ في اليومين الماضيين كتاب "خفايا التوراة: وأسرار شعب إسرائيل" للباحث (كمال الصليبي)، وفي حقيقة الأمر أنني قرأتُ "منه" ولم أقرأه كاملا. الكتاب صادر عن دار الساقي في طبعته السادسة عام 2006، وقد صدر لأول مرة باللغة الإنجليزية عن الدار نفسها عام 1988. هذا الكتاب وغيره من كتب كمال الصليبي أثارت جدلا كبيرًا، وهذا يفسر ازدياد مبيعاتها.

من يريد أن يقرأ هذا الكتاب لا بد أن يعرف أولا أن المؤلف يصدر من نظرة بحثية تتفحص النص وتحلله وتفككه لتشكّل قراءة خاصة جديدة تنسجم مع معطيات تاريخية وتفصل بين ما يُمكن أن يكون تاريخ وما هو أسطورة أو خرافة. لذلك فكمال الصليبي حينما يحلل التوراة لا ينظر إليها على اساس أنها كلام الله المنزل، بل نصوص كُتبت وحُفظت لتشكل التراث اليهودي والمسيحي أيضًا. فمثلا عندما يحلل قصة آدم، يخلص إلى القول بأنها تجمع ما بين الخرافات والأساطير، وبناء على أسماء الأماكن في جزيرة العرب يرى بأنها تفسّر الكثير من تلك الأساطير. الربّ خلق الإنسان في مكان ما غرب جنة عدن، وهي واحة "الجنينة" شرق منطقة "عسير"، ثم جعله في جنة عدن بعد أن زرع فيها أشجار كثيرة، وكانت هناك شجرة المعرفة وشجرة الحياة. ثم خلق امرأة من ضلعه وجاء الحنش فأغواها وأغرت هي آدم. أما شجرة المعرفة فتخص إله المعرفة، وشجرة الحياة تخص إله الحياة، ثم أصبحت حواء إلهة بعد أن اكلت من شجرة الحياة الأبدية، وصار الحنش إلها ثانويًا لأن الآلهة استعانت به لإغواء آدم الذي وضعه الربّ "يهوه" للتعدي على إلهَي المعرفة والحياة. وهناك أماكن قرب عسير تتطابق أسماؤها مع هذه الآلهة في نطقها العبري أو المحرّف قليلا. أما قصة قابيل وهابيل فهي رمز خرافي إلى نوعين من العبادات أحدهما يمجّد أكل اللحوم والآخر أكل النباتات. وهابيل أصبح لاحقا الإله "هبل" المعروف، كما أن قابيل (قايين في العبرية) وُجد كاسم شعب كان يسكن جنوب اليمن.

ويُعرف كمال الصليبي بمنهجه الذي يحلل أسماء الشخصيات والمواقع الجغرافية في القصص التوراتية ويعيد نسج هذه القصص بما يتلاءم مع التاريخ والواقع حسب وجهة نظره. وأشهر ما عُرف به كمال الصليبي هو أنه ينفي كون منطقة "من الفرات إلى النيل" مسرح الأحداث التي تذكرها التوراة، ويحاول إثبات أن المسرح الحقيقي كان جزيرة العرب.

ولا أستطيع في هذا العرض المختصر ذكر تحليلاته واستنتاجاته الكثيرة عن قصة آدم والأنبياء نوح وإبراهيم ويوسف وموسى وغيرهم، إلا أنني سأورد هنا تحليله لقصة النبي يونان (يونس) كمثال، وقد اخترته لسببين: الأول أن هذا الفصل أقصر الفصول، والثاني أنّ المؤلف يعتبر مسرح أحداث هذه القصة هو عُمان، بلدي.

يقول كمال الصليبي في الفصل العاشر من كتابه ما يمكن أن ألخصه في التالي:
سِفرُ يونان من النصوص التي كُتبت متأخرة في التوراة، ويُرجح أنها كتبت في العراق. ويبدو أن كاتب هذا النص قدّ حول اسم "نزوة" إلى "نينوى" فطغى الاعتقاد بأن المكان الذي تقع فيه أحداث القصة هو العراق.

يذكر سفر يونان أن (يونان بن ءمتاي) كان موطنه "جت حافر" قرب مكان اسمه "قاصين". وحاولتُ (أي المؤلف) أن أجد هذين المكانين في خريطة الشرق الأدنى فلم أجدهما قرب بعض إلا في عُمان. و "جت" تعني التلال أو المرتفعات، أما "حافر" فهي اليوم "حفرا" في مرتفعات في منطقة "نخل" و "وادي المعاول" في الباطنة في عمان. أما "قاصين" فهي اليوم "الغيزين" وهي قرى من قرى الباطنة.

أما القصة باختصار فتقول بأن الرب أمر يونان بن أمتاي بالذهاب إلى نينوى ليدعو أهلها. ذهب يونان إلى "يافا" تهربًا من المسؤولية، ووجد سفينة شحن ذاهبة إلى "ترشيش" فدفع أجرتها وركب فيها. هاج البحر وسقط فيه. وبعدما خرج من بطن الحوت الذي أوصله للبر طلب الرب منه ثانية الذهاب إلى نينوى وينذر أهلها بعذاب بعد أربعين يوما. خاف أهل نينوى وصاروا يدعون ويستغفرون ويتوبون، فمنع الله عذابه عنهم. أصيب يونان بخيبة أمل لأن نبوءته لم تتحقق.

وهناك في سفر يونان صلاة منسوبة إلى النبي يونان يُستنتج منها ما يلي: كان يونان مسافرا مع جماعة ما في البحر، فهاج بهم وسقطوا فيه، ونذر يونان ذبيحة للرب إن هو نجّاه، وكذلك فعل الذين معه. وقذفت الامواج بيونان ورفاقه إلى "الساحل نفسه" الذي انطلقوا منه. وكان يونان في مكان اسمه "صوله" عندما عزم على السفر. ودعا يونان ربه في مكان اسمه "صوره" ثم في مكان اسمه "بطن شءول" فاستجاب له ربه. وبعد وصوله سالما سار إلى مكان اسمه "رحيه" ثم إلى مكان اسمه "عولم". وبعدما وصل يونان إلى عولم جاء قومه لملاقاته هناك. أوفى يونان بنذره فقدّم ذبيحة للرب، أما رفاقه فلم يوفوا بنذرهم وذهبوا إلى مكان اسمه "شوء" وذبحوا للأصنام.

ما هي "ترشيش" التي أراد يونان الذهاب إليها؟ احتار العلماء في تحديدها، وتبدو لي (أي المؤلف) أنها قرية "شرشيتي" غرب ظفار في سلطنة عمان اليوم. وأراد يونان الإبحار إليها من ميناء ما قرب منطقته "جت حفرا" أي نخل ووادي المعاول، وأقرب هذه الموانئ موجودة في مسقط. هذا ولا يمكن أن يكون الإبحار إلى ظفار من يافا في فلسطين، إذن فيافا هذه مكان آخر.

والآن يمكن تحليل الأسماء في القصة:
1- تقول التوراة أن النبي يونان اسمه يونان ابن أمتاي (بالعبرية ءمتي). وهذا لا يعني بالضرورة أنه اسم والده، بل يمكن أن يكون اسم مكان. واليوم توجد قرية "إمطي" في نخل ووادي المعاول، وقرية أخرى اسمها "إمطي" في إزكي في المنطقة الداخلية في عمان. ويبدو أن أهل يونان كانوا يتنقلون بين المنطقتين.
2- يقول يونان أن الرب "طرحه في قلب البحار" من "صوله". واليوم توجد قرية "زولة" بجوار نخل ووادي المعاول.
3- في القصة أن يونان وجد سفينة ذاهبة إلى ترشيش عندما ذهب إلى "يفو". واليوم "يفو" هذه هي قرية "آفي" في نخل ووادي المعاول قرب زولة.
4- يقول يونان إن الدعاء الأول الذي دعاه كان في "صوره"، واليوم هي ميناء صور في شرق ساحل عمان.
5- أما الدعاء الثاني فكان من "بطن شءول"، واليوم هو وادي (أي بطن) "سال" في داخل عمان، وفي وادي سال قرية اسمها "الباطن"، وعلى مقربة منها هناك قرية "أبو يونه"، و يونه هو الاسم التوراتي ليونان.
6- بعد وصوله إلى البر نزل يونان إلى أرض "رحيه" ثم إلى "عولم"، واليوم هي حارة "الرحي" و "عُلَم" في منطقة إزكي.
7- يقول يونان إن الرب أتى بقومه من "شحت" ليلاقوه في "عولم"، وقد تكون "شحت" هذه اليوم هي "الشحة" في إزكي.
8- يقول يونان أن رفاقه نكثوا بنذرهم وقدموا ذبائحهم إلى أصنام "شوء"، واليوم هي قرية "شياء" بجوار عبري في الظاهرة في عمان.
9- تقول القصة إن يونان عندما ذهب إلى نينوى كانت نينوى على مسافة ثلاثة أيام من مكان اسمه "ءلهيم"، وفي داخل عمان شرق إزكي هناك قرية اسمها "آل هيما" في جبل آل هيما.
10- أما نينوى، فكما جاء من أوصاف في القصة قد تكون هي نزوى وتم تحريفها.

هذا اختصار للتحليل الذي قدّمه كمال الصليبي، ولا يُغني عن التفاصيل والاستدلالات المتعلقة بالجغرافيا والمسافات بين الأماكن وتواجد الحيتان وما إلى ذلك. وإنما وددتُ فقط أن أشير إلى منهجه في التحليل إشارة سريعة. وقد لا يكون هذا المثال نموذجًا مثاليًا إذ لا يحتوي على تحليل للخرافات والأساطير والآلهة المتعددة التي يشير إليها الصليبي في القصص الأخرى. ربما توقفت عن قراءة الكتاب لأنني غير مستعد لقراءته كاملا والتدقيق في محتوياته، فعندما تقرأ كتابًا مثيرًا للجدل تحتاج إلى معرفة ولو بسيطة بمجال التخصص حتى تستطيع اتخاذ موقف. هذا وأجد نفسي غير مطمئن إلى منهج الباحث، وسأترك ذلك للمختصين. إن محاولة تفسير الأسماء بهذه الطريقة والمقابلة بين الأسماء القديمة والجديدة ليست آمنة أو مقنعة دائمًا وهي تبسيطية أكثر من اللازم، كما أنّ الباحث كثيرًا ما يقابل بين اسمين فيهما بعض التشابه ليقول بأن عملية قلب لغوي جرت عليها، إلا أنه لا يقدّم تفسيرًا واضحًا لعمليات القلب هذه ومعايير حدوثها واستخدامها.


لقراءة نصّ الموضوع كاملا»

31 أغسطس 2010

قراءات: كتاب "ألزهايمر" لـ(غازي القصيبي)



قبل أسابيع قليلة رحل عن دنيانا الأديب الشاعر والوزير السعودي (غازي عبد الرحمن القصيبي) لينتهي صراعه الطويل مع المرض، و لتنتهي سبعون سنةٍ من عمره قضى كثيرًا منها شعلة من النشاط لا تهدأ، ما بين قول الشعر، وتأليف الكتب والروايات، والعمل سفيرًا ووزيرًا مراتٍ عديدة. كان صاحب "سبع صنايع" كما وصف بطل قصته الأخيرة، لكنّ بخته وإرثه الأدبي لم يضيعا، وظلّ غازي شخصًا قد يختلف معه وحوله الكثيرون ولكنهم لا يقدرون إلا على احترامه وحبّه. عرفناه روائيًا ساخرًا بامتياز، صاحب أسلوب قد لا يضاهيه أسلوب آخر في سلاسته، وحكمةٍ عميقة يبثها من بين السطور. روايته "العصفورية" صُنّفت من ضمن أفضل مائة وخمس روايات عربية على الإطلاق، وروايته "شقة الحرية" لاقت إقبالا كبيرًا وتم تحويلها إلى مسلسل درامي أذاعته قناة "MBC" قبل سنين. ظلّ القصيبي يكتب حتى الرمق الأخير، وهكذا أخرج لنا كتابه الأخير "ألزهايمر" وهو على فراش المرض، ليصدر عن دار بيسان في بيروت بُعيد وفاته.

اختار القصيبي أن يصنّف كتابه هذا على أنه "أقصوصة" وهو في الحقيقة قصة طويلة، كان يُمكن -لو شاء مؤلفها وشاء القدر- أن تتحول إلى رواية. تدور أحداث القصة حول (يعقوب العريان) المريض بمرض "ألزهايمر" في مصحٍ في أميركا، اختار أن يواجه المرض هناك بعيدًا عن أهله، رفقًا بهم. والقصة مكتوبة بطريقة الرسائل، حيث يُرسل (يعقوب) اثنتي عشرة رسالة- في اثني عشر فصلا- إلى زوجته الأخيرة (نيرمين) يحدّثها عن أحواله وانطباعاته وحواراته في المصحّ مع زملائه.

من يقرأ الكتاب يستشف أنّ القصة ما هي إلا حيلة كتابية يستخدمها (غازي القصيبي) لينقل إلينا حالته الفكرية أثناء المرض الطويل، وليتحدث عن أفكارٍ وجودية مؤلمة، وأفكار أخرى متفرقة يشير إليها في عجالة كعادته. (يعقوب العريان) مريض في السبعين من عمره، وغازي أيضًا مريض في العمر نفسه، والاثنان يقتربان من النهاية. ما يفعله غازي في هذا الكتاب هو إلقاء الضوء على الفزع والألم الذي يكتنف الإنسان في شيخوخته عندما يعرف بأنه مقبل على وهنٍ وعجزٍ ومذلة تأباها كرامته وعنفوانه. أما لماذا اختار القصيبي مرض ألزهايمر بالذات، فربما ليستخدم رمز "النسيان" للدلالة على الضعف والوهن والألم، إذ أي قوة وعزّة وكرامة تبقى لدى المرء (والأمّة) إن تلاشت ذاكرته؟

ومن الصفحات الأولى يعرف المؤلف بذكائه أن القارئ سوف يعتقد أنّ غازي قد يستغلّ هذا الكتاب ليتحدث عن نفسه وسيرته، فيجيب على لسان بطله قائلا: "هذه ليست سيرة ذاتية؛ هذه رسائل من زوج إلى زوجته" (ص30)، ثم ينتقد كتّاب السيرة الذاتية بسخرية لاذعة: "والسيرة الذاتية ليست مبررًا كافيًا، أو ناقصًا، للتعري وإيذاء الناس. لا أدري لماذا كتب أستاذ الفلسفة الشهير سيرة ذاتية لم يترك فيها أحدًا من الذين عرفهم إلا تعرض له بسباب بذيء يأنف منه السوقة. ولا أدري لماذا قال كاتب شهير في سيرته الذاتية أنه كثيرًا ما كان يرى أباه، إمام مسجد الحيّ، يتأبط غلامًا مليحًا. ولا أدري لماذا أخبرنا كاتب شبه شهير أن أباه الكاتب الإسلامي ذائع الصيت لم يكن يصوم ولا يصلي. حسنًا! هذا الموضوع يرفع ضغط الدم عندي..." (ص30).

كعادة القصيبي يحبّ أن ينسج المواقف والحوارات الكوميدية التي تتضمن بعض الرسائل الناقدة الساخرة، وهكذا يعرّفنا على زملائه في المصحّ، مثل ذاك الذي يعتقد نفسه (هنري كيسنجر)، والممثل السينمائي الشهير الذي يفشل في تذكر بعض علاقاته النسائية. ويتحدث البطل (يعقوب) عن سنوات المراهقة، وعن فشله في تذكر التجربة الأولى في أمور عديدة، وحتى اسم زوجته الثانية. ولكنّ هذا الحس الكوميدي يبدأ بالاختفاء من الفصل التاسع حين يبدأ يعقوب بالحديث عن الذكريات السيئة التي يتمنى أن يمحوها المرض، ويزداد الحسّ الأليم في الفصل العاشر حين يذكر لنا تجربة روائية أميركية وعذابها في التعامل مع والدتها المصابة بمرض ألزهايمر. ويستمر في الفصل الحادي عشر بسرد تجربتين أخريين يستخلص منهما أن هذا المرض لا يصرعه شيء، ولا حتى الحبّ ولا الإيمان.

ربما لأول مرة أشعر بالألم والحزن الشديد وأنا أقرأ كتابًا للقصيبي، وخاصة حين يتحدث عن تجهيز المرضى نفسيا للدخول في المراحل المتقدمة من المرض. كم هو مؤلم ومُبكي أن يشبّه القصيبي ذلك بدخول الجحيم في ملحمة "الكوميديا الإلهية" عندما يقول دانتي : "يا من تدخلون هذا المكان اتركوا وراءكم أي أمل في الخروج". ويبلغ الحزن أشدّه في الفصل الأخير عندما يتحدث البطل عن كوابيسه عندما يفكر في ما سيحدث له، وكيف سيتحول هو وزملاؤه إلى "خضروات بشرية" لا تستطيع أن تفعل شيء بنفسها، وتغدو كائنات لا نفع منها ولا قدرة لها على أي شيء.

كتاب جميل سلس جدًا يثير فيك أسئلة كثيرة مقلقة حول المستقبل والشيخوخة، وستعرف كم أنت محظوظ بِنِعَم الله عليك في صحتك، وشبابك، وذاكرتك.

لقراءة نصّ الموضوع كاملا»

05 أغسطس 2010

قراءات: كتاب "ألوان أخرى" لـ(أورهان باموق)


فرغت قبل قليل من قراءة كتاب "ألوان أخرى: قصة جديدة ومقالات" للكاتب التركي الشهير الحائز على جائزة نوبل في الأدب (أورهان باموق). صدرت هذه الترجمة العربية عام 2009 عن دار الشروق بترجمة (سحر توفيق) في 439 صفحة. الكتاب كما هو واضح من العنوان عبارة عن مقالات متفرقة نُشرت سابقًا، بالإضافة إلى قصة جديدة، وحوار صحفي، والكلمة التي ألقاها باموق في حفل استلامه لجائزة نوبل.

حاول المؤلف أن يجمع المقالات في موضوعات، فتجد أولا قسمًا بعنوان "الحياة والقلق" يحتوي على مقالات يتحدث فيها باموق عن مشاهدات وانطباعات من حياته الشخصية، عن والده، وابنته، وذكرياته وأشياء أخرى. أما القسم الثاني "الكتب والقراءة" فيحتوي على مقالات عن القراءة ومكتبة باموق الشخصية وانطباعاته عن بض المؤلفين والروايات. ونجد في القسم الثالث مقالات تتحدث عن تركيا والسياسة وأوروبا. ثم في القسم التالي نقرأ مقالات يتحدث فيه باموق عن رواياته وذكريات وانطباعات عن كتابتها. وفي القسم التالي مقالات عامة يجمعها موضوع الصور والنصوص. أما القسم الأخير فيحتوي على مقالين عن مشاهدات باموق للحضارة الأمريكية، ثم حوار في مجلة باريس ريفيو، ثم قصة جديدة، وأخيرًا كلمة نوبل.

هذا من الكتب التي لا تكون فيها مضطرًا إلى قراءتها من الغلاف إلى الغلاف، بل يمكنك اختيار المقالات التي تريد قراءتها وترك التي لا تجذبك عناوينها، أو يمكنك (كما فعلت أنا) أن تمرّ على الفقرات الأولى سريعًا لتحدد ما إذا كنت ستواصل القراءة أم لا. وهكذا فقد استغنيت عن قراءة عددٍ من المقالات لأسبابٍ مختلفة، أحيانا لم يجذبني الموضوع، وأحيانًا كان باموق يتحدث عن كتب لم أشأ أن أقرأ عنها قبل قراءتها، وأحيانا لم أكن في مزاج لقراءة قصة أو استرسال وجداني.

راقتني كثيرًا المقالات التي تحدث فيها باموق عن ابنته (رؤيا) حيث أطلعتني على عالم لم أجربه بعد ويبدو رائعًا فيه شغب الأطفال وبراءتهم وشقاوتهم ورائحتهم. علاقة باموق بابنته لامست شيئا داخلي.

ومن المقالات التي استوقفتني مقال "العدالة الشعرية" حيث يذكر فيه باموق كيف أن تجاربه مع بعض الشخصيات أو أصحاب المهن جعلته يصوّرها بطريقةٍ معينة انتقامًا أحيانًا، فمثلا كانت له تجربة سيئة مع الحلاقين والجزارين، فظهروا في رواياته أشرارًا.

استمتعتُ بمقاله عن عبّارات البوسفور وكيف تجوب اسطنبول لتنقل الناس يوميًا من قسمٍ من المدينة إلى قسمٍ آخر. تخيلتُ أن تكون هناك عبارات بين مدن صغيرة في مسقط.

هزّني كثيرًا مقاله عن الزلزال الذي أصاب تركيا عام 1999. هي أول مرة أقرأ سردًا لتجربةٍ حقيقية في كارثة زلزال. كان وصفه لمشاهداته مؤلماً وحقيقيا.

ومن المقالات التي استمتعتُ بها مقال "كيف تخلصت من بعض كتبي" حيث يقول بأنه شعر بأن مكتبته كانت متواطئة مع الزلزال حين ترجرجت أطراف منها، فقرر معاقبتها، والحقيقة أنه عاقب نفسه، أو بالأحرى كان يعاقب استثماره في الوقت والمال في تلك الكتب التي قرر التخلص منها. ويقول إنه ما يزال يتخلص من بعض كتبه ولكنه يشتري الكتب بنسبة أكبر. راقني ما قاله بأنه لا يشعر بعاطفة قوية تجاه مكتبته، ومن بين كتبه كلها هناك حوالي 15 كتابا يحبها بالفعل. يقول " وهي [أي المكتبة] كصورة، كمجموعة من الأثاث، ككومة من التراب، كعبء متجسد، لا أحبها على الإطلاق. والشعور بالألفة مع محتوياتها يشبه إقامة علاقات بنساء فضيلتهن الرئيسية هي أنهن على استعداد لتبادل الحب معنا دائمًا؛ فالشيء الذي أحبه كثيرًا في كتبي هي أنني أستطيع أن ألتقطها، وأقرأها متى أشاء. ولأنني أخشى "الارتباطات" بقدر ما أخشى الحب، فإنني أرحب بأي مبرر للتخلص من الكتب" (ص127).

ومن أجمل مقالاته أيضًا "أين أوروبا؟" الذي يناقش فيه الحيرة التي يعيشها الأتراك والتذبذب ما بين الشرق وأوروبا. لديهم رغبة في أوروبا كمستقبل، ولكن تُرى أي أوروبا؟. هل أوروبا التكنولوجيا والعلوم؟ أم أوروبا الحريات وحقوق الإنسان؟ أم أوروبا العنصرية؟ أم أوروبا المسيحية؟ الخ. وكما يقول "[هي] طيف أحيانا نتطلع إليه وأحيانا أخرى نخشاه".

ولا أنسى القول بأن الكلمة التي ألقاها في حفل جائزة نوبل ممتازة جدًا وجديرة بالقراءة.
ملحوظة: صحيح أنّ هناك مقالات يمكنك الاستغناء عن قراءتها حاليًا، ولكنّ يجب التنويه بأنّ لباموق لغة جذابة وفكرا فريدا يجعلك ترغب في أن تحتفظ بالكتاب في مكتبك للعودة إلى أجزاء منه يومًا ما.

لقراءة نصّ الموضوع كاملا»

02 أغسطس 2010

قراءات: Fifty-Nine Seconds


قرأتُ في اليومين الماضيين كتابًا في تطوير الذات بعنوان "59 ثانية: فكر قليلا وغيّر كثيرًا Fifty-Nine Seconds: Think a Little Change a Lot" للبروفيسور البريطاني (ريتشارد وايزمان). صدر هذا الكتاب عام 2009 في 357 صفحة من القطع المتوسط.

في الحقيقة كنتُ دومًا أتجنب كتب تطوير الذات والبرمجة اللغوية العصبية وما شابهها، ولا أعطي قيمة كبيرة لما يأتي فيها، لأنها من وجهة نظري نادرًا ما تكون مستندة على بحوث وحقائق علمية، بل عادة ما تكون مبنية على التجارب الشخصية والحكايات وبعض المشاهدات. ما لفت نظري إلى هذا الكتاب هو ما جاء على غلافه بأنّه مستند على دلائل وحقائق وأبحاث علمية، وبأنه يفنّد الكثير من النصائح التي طالما روّجها مؤلفو كتب تطوير الذات. وهكذا اقتنيتُ الكتاب وبدأتُ في قراءته.

يقول المؤلف أنّ ما دفعه إلى كتابة هذا الكتاب كان سؤال من صديقة له اسمها (صوفي) عندما طلبت منه رأيه في كتب تطوير الذات، فأبدى تحفظه عليها، فسألته أن يقدّم لها نصائح بديلة، فراح يجترّ عليها ما تعلّمه من المراجع والبحوث الأكاديمية. قاطعته وقالت له إنها تريد شيئًا سريعًا غير معقد، وفي الوقت نفسه علميّ. ومن هنا جاءت فكرة الكتاب. راح المؤلف يبحث في مئات الأوراق البحثية فيما يتعلق بالسعادة والتحفيز والإقناع والإبداع واتخاذ القرار والتوتر وما إلى ذلك، ثم خرج باستنتاجات وطرق بسيطة يُمكن للمرء أن يتبعها في أقل من دقيقة.

كتابٌ ممتع جدًا جدًا، يبدأ في كل فصل بنقد ما جاء في كتب تطوير الذات حول قيمةٍ ما (الإبداع، الدافعية، الإقناع، الخ) ثم يسرد نتائج الأبحاث التي تثبت عكس النصائح المتداولة، وبعدها يقدّم طرقا بسيطة يمكن للقارئ أن يتّبعها ويلحظ التغيير على نفسه.

من النتائج المثيرة التي جاء بها الكتاب:
- التفكير الفردي يثمر نتائج أفضل وأكثر مما تثمره جلسات العصف الذهني.
- إن كنت تريد الخروج بأفكار إبداعية لمشكلة ما، شاغل عقلك بتمرين ذهني، ودع عقلك الباطن يفكر في المشكلة، وستجد بعدها أن أفكارا جديدة مبدعة ظهرت.
- الكتمان ليس أفضل الطرق لتحقيق تغيير في حياتك. من الأفضل أن تُعلن قراراتك أمام الملأ حتى تشعر بمسؤولية الالتزام بها.
- تخيّل صورة رائعة من الإنجازات (وهي نصيحة شبه دائمة في كتب تطوير الذات) لا ينفع في تحقيقها، بل قد يؤدي إلى نتائج عكسية.


للأسف لا أملك الوقت الكافي حاليًا لكتابة المزيد عن هذا الكتاب، ولكنني أنصح بقراءته.

لقراءة نصّ الموضوع كاملا»