‏إظهار الرسائل ذات التسميات قراءاتكم. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات قراءاتكم. إظهار كافة الرسائل

17 سبتمبر 2012

قراءتكم: العدد 15 من نشرة "اقرأ"

الأعزاء أصدقاء المدوّنة: إليكم العدد الخامس عشر من نشرة "اقرأ" التي تصدرها "مجموعة مركز المعلومات" بكلية التجارة والاقتصاد في جامعة السلطان قابوس، وهي نشرة دورية عبارة عن صفحة واحدة تحتوي على قراءة لكتاب، ويتم توزيعها في مرافق الجامعة. يمكنكم الاطلاع على النشرة بالضغط على الصورة المقابلة أو تحميلها.
لقراءة نصّ الموضوع كاملا»

06 فبراير 2012

قراءاتكم: رواية "الغثيان" لسارتر (قراءة: فاطمة الشيدي)

(نُشرت هذه القراءة في ملحق شرفات بجريدة عُمان بتاريخ 31 يناير 2012)

الغثيان لسارتر
قراءة في جماليات الضجر


1.
أن تختار عملا أدبيا لتقرأه؛ فلابد من محفزات جليلة تمنحك الإغراء الضمني للتعاطي مع هذا العمل دون غيره، الإغراء الذي سيتكفّل بالكثير من أيامك ليسمها بالمتعة والاستغراق في هذا العمل الذي يصبح صديقا ودودا، أو خصما عنيدا، وفي الحالتين أنت مطالب بالكثير من التحدي لإتمامه، وتتمثل هذه الإغراءات في عنوان الرواية أحيانا، أو اسم الكاتب وذيوع صيته وشهرة قلمه، واسم المترجم إذا كانت الرواية ليست بلغة القارئ الأصلية.

وفي رواية "الغثيان" لجان بول سارتر كانت كل هذه الإغراءات الثلاثة متوافرة وبقوة، فالعنوان يشكل قوة جاذبة للمتلقي سيما المتلقي الضجر، والذي يستشعر حالات الملل والقرف والغثيان بشكل دائم وحقيقي، ليبدأ التساؤل أي نوع من الغثيان هذا الذي يقصده المؤلف ويدشنه العمل؟ هل هو غثيان حقيقي بمعني أنه غثيان فسيولوجي برغبة عارمة في الترجيع؟ أم أنه حالة نفسية، أي حالة غثيان شديدة وقصية وعميقة من الملل والقرف والوجع من الوجود والبشر والتفاهات والغباوات، حالة غثيان من كل ما من شأنه أن يطعن الروح في مقتل، كالنفاق والكذب والتزلف والنفعية والبهيمية والفوقية والكثير الكثير من الأمراض البشرية، ومما يحدث في هذا الوجود المتناقض والذاهب في الجمود والجحود والقرف، ثم يأتي اسم سارتر 1905- 1980الفيلسوف والأديب والكاتب المسرحي والسينمائي والناقد الاجتماعي، ليشكل دافعا أخر أكثر قيمة وأكثر إغراء، فماذا سيكتب سارتر عن الغثيان؟ وكيف ستكون الرواية التي يحكيها فيلسوف ممعن في صناعة النظرية، وفي التأمل الوجودي، وفي تحليل الأفكار، وفي استنباط الأحكام، وفي معالجة الأفكار والرؤى الإنسانية؟ إنه صانع أفكار، فكيف ستأتي روايته وهل سيقدم لنا مادة نظرية جافة أم سيعالج البنى الرئيسية للرواية من الحبكة والشخوص والزمان والمكان؟ وهل سيستطيع تحميل روح السرد لبُنى الحكاية؟ وهل سينطق الشخوص بما ينبغي وفق مستوياتهم الفكرية والروحية؟ أم سيكون العمل مملا وباهتا؟ وغيرها من التساؤلات المشروعة في منطق القارئ، ثم يمتد الإغراء للمترجم الذي هو الدكتور سهيل إدريس صاحب القلم والفكر الذي عمل في هذا المجال طوال حياته باحثا وكاتبا ومترجما فذا.


وحين تجتمع هذه المغريات الثلاثة، فلا يكون حينها من فكاك من هذا الشرك الجميل، ومن السقوط في فخ الغواية والذهاب بالقراءة حتى مداها الأخير.

2.
رواية الغثيان هي حكاية الرجل الوحيد السيد "انطوان روكنتان" الذي جاء إلى "بوفيل" ليؤلف كتابا عن المركيز دور رولبون، ولأن روكنتان يعيش حياة الوحدة الصعبة، والذكريات المريرة، مع مخيلة خصبة يتأمل من خلالها البشر والوجود، قرر أن يكتب يومياته، ولذا أصبح يفكر ويتأمل ويكتب كل شيء يحصل له -مهما بدا تافها- بدقة في دفتر يومياته الذي يرافق وحدته، ويحدّ منها أحيانا كثيرة، ومن تدفق الأفكار المجنونة في رأسه، "سيكون من الأفضل كتابة الأحداث يوما فيوما. تسجيل يوميات تتيح مواجهة الأمور بوضوح، وينبغي تجنب إهمال الفروق والدقائق والأمور الصغيرة حتى لو كانت تبدو لا قيمة لها، وينبغي خصوصا تصنيفها. يجب أن أقول كيف أرى هذه الطاولة، والشارع والناس، ورزمة تبغي، ما دام هذا الذي تغير. يجب تحديد مدى هذا التغير وطبيعته تحديدا دقيقا" ص5

ولكن روكنتان لا يكتب يومياته لغاية الكتابة ذاتها، فهو غير آبه بذلك، ولا بأي شيء آخر على وجه الأرض، بل يفعل ليشفى من تفكيره، وغثيانه، ولذا وفي لحظة ما حين شعر أن شفي من التفكير والغثيان قرر عدم كتابة اليوميات .. "سأنام. لقد شفيت، وإني قد عدلت عن كتابة انطباعاتي يوما فيوما، على غرار ما تفعل الفتيات الصغيرات، في دفتر جمل جديد، على أنه ربما كان ممتعا، في حالة واحدة، أن أكتب يومياتي:في حالة ما إذا.." وهكذا يتركنا روكنتان دون أن نعرف في حالة ما إذا ماذا؟ حتى آخر الرواية لنعرف إنه "في حالة ما إذا أصبحت رواية" .

ويمضي في تدوين يومياته بالفعل يوما بيوم، وقبل الشروع في تدوين اليوميات صدّر العمل بخطاطة عنونها بـ "ورقة بلا تاريخ" وهي أشبه بخطة العمل، ووضّح فيها كيف؟ وما سوف يكتب، مبينا ما يجب أن يفعله، ومالا يجب أن يفعله كاتب اليوميات الفطن "وأعتقد أن هذا هو موضع الخطر لمن يسجل اليوميات؛ إنه يبالغ في كل شيء، وهو يحرف الحقيقة بلا انقطاع" .ص5
وهكذا بدأ في كتابة يومياته في بوفيل بأوقاتها من تاريخ الاثنين 20 كانون الثاني 1932، وحتى "الأربعاء آخر يوم في بوفيل"، كما عنّون التدوينة الأخيرة. ليقدمها لنا لاحقا رواية الغثيان التي تسجل بدقة وموضوعية يومية حياة روكنتان الذي يقضي وقته في بوفيل كاتبا وباحثا وقارئا بين المتحف، والمكتبة، والمقاهي والحدائق العامة التي يجلس فيها ليتناول وجباته وليتأمل البشر، وليراجع ما كتب أحيانا، ويقرر ما سيفعل لاحقا، وما سيكتب في أحيان أخرى.. ("كان السيد دورولبون قبيحا جدا، وكان يروق الملكة انطوانيت أن تدعوه بـ"قردتها العزيزة"..........)

يمضي روكنتان فترته في بوفيل متأملا لكل ساكنة وشاردة، بدءًا من حركة يديه، حتى أي عابر للشارع، حتى كل شخص يتعامل معه، يتأمل الحياة بحركتها وسكونها بعمق وجنون، في محاولة قراءة خاصة وعميقة للأشياء، والبشر باختلاف أدمغتهم وأمزجتهم وأحوالهم الحياتية، ويكتب كل ذلك بدقة ومتعة، محاولاً أن يفسّر كل شيء، ويخضعه للمنطق الذاتي القائم على الملل والغثيان، إنه يفكر في كل شيء ليبرهن أنه لا يزال على قيد هذه الحياة الصعبة التي يعيشها.. "إنني كائن، إنني كائن، موجود أفكر، فإذا أنا موجود، إنني كائن لأنني أفكر، لماذا تراني أفكر، إنني كائن لأنني أفكر بإنني لا أريد أن أكون"ص142

ولأنه وحيد وفارغ، فهو ممتلئ بالأفكار، وبالتأملات، وأيضا بالضجر والملل الذي يصل به حتى الغثيان، وهذا مربط الفرس في الرواية، فالغثيان الذي يعبّر عنه سارتر بعمق وروية وجنون، هو حالة نفسية تتصاعد من داخل الروح، والعقل حتى يشعر بها الإنسان تتلبسه تماما بشكل ملموس وحسي وحقيقي " أما أنا فأعيش وحيدا، وحيدا كل الوحدة، إنني لا أتحدث مع أحد أبدا، لا أتلقى شيئا، ولا أعطي شيئا" ص12

ويبدأ روكنتان في شرح هذا الغثيان/الحالة التي تصيبه فجأة، وهو يأكل أو يفكّر، أو حتى يتعامل مع شخص آخر"إن الوضع سيء، إنه سيء جدا : فأنا أشعر بها، وتلك القذارة ذلك الغثيان، وهو شيء جديد هذه المرة: فقد أصابني وأنا في مقهى" ص28
ويمكننا أن نستخلص من الأحداث أن الغثيان الذي يتحرك في جسد روكنتان، ويتصاعد إلى روحه، حالة من القرف الكبير من كل شيء الذات والآخر والمكان والزمان، إنه الرغبة في إنهاء كل شيء، أو الملل العظيم الذي ينتهي عنده كل شيء فعلا، ما أن يحضر بخفته أو ثقله، "إن الغثيان ليس في : فأنا أحسه "هناك" على الجدار، على الرافعتين، حولي في كل مكان، فليس والمقهى إلا شيئا واحدا، إنما أنا الذي فيه" ص 30

ولكن روكنتان مع الوقت يتأقلم مع غثيانه، ويستوعب حالته، ولم يعد يتذمر منه، فقد أصبح الغثيان جزءا لا يتجزأ من شخصيته .." إن "الغثيان" لم يتركني، ولا أحسب أنه سيتركني بهذه السرعة، ولكني لا أكابده بعد، فهو لم يعد مرضا، ولا نوبة عارضة : إنه أنا" ص 177
وروكنتان ليس شخصا متشائما، ولا مُعرضا عن الحياة، بل هو يحاولها بصدق وجهد، فهو يحاول أن يعمل شيئا مفيدا ومجديا دائما مع بحثه، أو مع نفسه، أو حتى مع الناس، كما يحاول أن يستوعب سبب هذا الغثيان الذي يتصيده، ويحاصر أوقاته ورغبته في الحياة، ويحاول التخلص منه دون جدوى "إن العبثية تولد الآن تحت قلمي" ص180، " فما أشق أن يتخيل المرء العدم ! أما الآن فقد كنت أعرف: إن الأشياء هي برمتها مما تبدو عليه – وخلفها .. لاشيء ". ولكن لا فائدة فالغثيان يحاصره، ويبدو أن هذا هو قدره من الحياة.

وهو أيضا ورغم أنه رجل وحيد مصاب بالغثيان، إلا أنه رجل عاشق، ولديه حبيبة يعيش على ذكراها، ويتذكر سعادته في الفترات التي كان معها، ويتفكر دائما في مدى سعادته لو كان بقرب حبيبته "آني"، فهو يهذي بها من بداية الرواية حتى آخرها، وينتظر موعدها معه بلهفة، كما يحكي عن ذكرياتهما العشقية معا "كانت آني ترد لي الزمن، كل ما كان يستطيعه، فحين كانت في جيبوتي وكنت أنا في عدن، وحين كنت أقصدها لأربع وعشرين ساعة، كانت تتفنن في مضاعفة سوء الفهم بيننا، حتى لا يبقى على ذهابي إلا ستون دقيقة تماما، ستون دقيقة الوقت اللازم لإشعار المرء بأن الثواني تمر واحدة واحدة " ص82

يتذكر روكنتان "آني" في كل لحظة، ويستحضرها في كل تفصيل ومفصل من حياته، ومن تدويناته ويومياته، سواء بشكل ضمني أو واضح، فتارة يتمنى لو تكون معه في الحاضر، وأخرى يتساءل عما تفعله الآن بدونه؟، ومع من تكون؟، وثالثة يتفكر كيف سيقابلها؟، وماذا سيفعل حينذاك؟ ويتذكر بألم ومرارة سبب فراقهما الحتمي، الذي جاء قاصما لحياته كلها، والذي حطّم كل أحلامه وطموحاته، وغيّر مسار حياته، فقد فقد معه كل متعة ممكنة للحياة، ولم يعد سوى رجل مصاب بالغثيان .."ثلاثة أعوام حاضرة معنا، حاضرة معا. من أجل هذا افترقنا: فإننا فقدنا القوة على تحمل ذلك العبء، ثم فجأة، حين تركتني آني، انهارت الأعوام الثلاثة مرة واحدة، ودفعة واحدة" ص91

وحين التقيا بعد زمن طويل، وانتظار كبير، وشوق عارم، ولهفة حارقة، وذكريات كثيرة ممتدة بينهما، كان الحب ثابتا في قعر الروح، ولكنهما كابرا بشدة عليه،لم يستطيعا أن يختصرا المسافة بينهما لذات النقطة، لذا كان الحوار بينهما ذابلا ولا يقول شيئا:"أنا لست حزينة على الإطلاق، وقد سبق أن دهشت لذلك مرارا، ولكني كنت على خطأ:لماذا أكون حزينة؟ كنت جديرة في الماضي بعواطف عنيفة جميلة. لقد كرهت أمي بهوس.. ثم أضافت بتحدٍّ وأنت بالذات، لقد أحببتك بهوس ....."

وهكذا افترقا مجددا، بلا نية على اللقاء أو الفراق، ذهبا في العام، في الحياة التي تبتلع كل شيء، والطريق الذي يؤدي إلى كل مكان إلا إلى حب يسكن القلب، أو وجع يسكن الروح، ذهبا؛ وبقي في منطقة ما بينهما لا حدود لها ولا ظلال حنين عارم لن يزول.

ويمضي روكنتان في غثيانه الذي أوصله أخيرا بأنه لن يؤلف الكتاب الذي كان ماضيا في تأليفه .."أربعة أسطر على ورقة بيضاء، لطخة دم، إن هذا هو ما يشكل ذكرى جميلة، وينبغي أن أكتب تحتها "هذا اليوم عدلت عن تأليف كتابي عن المركيز دور رولبون" ص141، كما قرر العودة إلى باريس "انقطعت عن تأليف كتابي عن رولبون، انتهى الأمر إنني لا أستطيع بعد أن أكتبه .فما الذي سأصنعه بحياتي؟ " ص 133، ولكنه وجد في يومياته التي يدونها منذ أول لحظة جاء فيها لبوفيل حتى خروجه منها، وركوبة للقطار مشروع كتاب من نوع آخر وهي رواية "الغثيان". "رغم أنها ... أريد كتابا . رواية، وسيكون ثمة إناس يقرأون هذه الرواية ويقولون: "إن انطوان روكنتان هو الذي كتبها، لقد كان شخصا أحمر الشعر يتسكع في المقاهي" 248.

3.
إن أصعب ما يحدث عندما تضع قدمك أو روحك على عتبة عمل أدبي ما، ثم تمضي إليه وبه وفيه، أن تشعر ببعض الحنين والانتماء لهذا العمل، بل وأن تشعر لاحقا بالكثير من التوحد معه، لأن هذا الأمر سيكلفك لاحقا الكثير من التعاطف معه، أو الغضب منه أو الحزن عليه، وفي كثير من الأحيان الكثير الكثير من الانسجام العميق معه، حتى لتتخير لك موضعا، أو شخصا أو مكانا فتشعر أنك أنت هناك تماما، خاصة في الرواية، فقد تشعر أنك الكاتب أو البطل الذي حرك هذه الأحداث، وتتساءل طويلا، كيف فعل ذلك بي؟ كيف استطاع ترويض روحي بهذه الخفة، وكيف استطاع الإمساك بوعيي بهذا الشرك العظيم الذي نصبه لي بدهاء منه، واستجابة طواعية مني.

فإذا كان الحال يشبهك كثيرا فإنك ستكون مرتبكا جدا في التعامل معه، ماذا يعني أن تشعر أنك كائن من بلاد أخرى، ومن عصر آخر، ومن ثقافة أخرى، ومن توجهات فكرية وربما إنسانية أخرى أيضا، كيف تتلبس الأفكار التي لا تؤمن، أو لم تعد تؤمن بها؟ وكيف ستستطيع لاحقا
التخلص من رواسبها في عقلك، كيف تتعاطف من الأخطاء التي تدرك فداحتها؟

ولكن هذا ما يحدث غالبا، حيث يصبح ذلك الملل هو مللك أنت، ذلك القرف الوجودي لك، مررت به مرارا، كل تلك الارتباكات في التعامل هي لك، كل ذلك الشرود والغياب والغباء، كل ذلك التعاطف الساذج أحيانا، وكل تلك القسوة غير المبررة أحيانا أخرى، كل ذلك الوجع من أشياء باهتة وغير ذات ثقل لتغير مزاجك، كل تلك العواطف التي تذهب في اتجاهات غير واعية وغير مستحقة، كل شيء، التيه والهذيان الطويل والمستمر والذي يمكن أن يؤلف كتبا كثيرة تحكي عن الملل والقرف، وعن بشر عبروك بزوايا مختلفة، منهم من طاول وجعك، ومنهم من اقتص من جبروت ضحكتك القصيرة، ومنهم من ضاعف وهنك، وضاعف حمّاك الباردة والحارة معا.

الغثيان الذي كتبه سارتر بعمق ودقة بكل تفاصيله المدهشة، والذي يتصاعد من الروح للجسد، بكل ذلك الحضور العميق والفاعل في الروح، في نحتها وتحليلها كسائل حمضي قادر على تحليل وتفتيت كل شيء، هو حالة إنسانية نفسية عميقة ومتكررة، وكثيرا ما تبتلع الروح وتفتت الوجدان.

أخيرا : يمكننا القول أن سارتر أبدع في الغثيان، حتى ليشعر قارئ في أقصى الشرق، بكل كلمة كتبها رجل في أقصى الغرب، وكأنه يعيشها تماما، بل وكأنه هو الذي اختبر تلك المشاعر المتضاربة، وذلك الحزن القاتل، وذلك الشرود الرهيب، وذلك الغثيان المتكرر، بعد ما يقارب قرنا كاملا، وهذا أكثر وأكبر وأجمل ما يمكن أن يصنعه عمل فني في قارئ خارج الزمان والمكان، وأكثر وأكبر وأجمل ما يبتغيه كاتب من الكتابة، وأكثر من يمكن أن يسم أي عمل أدبي بالنجاح والخلود معا.

* رواية الغثيان ، جان بول سارتر، ت: دسهيل إدريس، دار الآداب ، ط،4 2004



لقراءة نصّ الموضوع كاملا»

28 يناير 2012

قراءاتكم: كتاب "طيري يا طيّارة" (قراءة: جوخة الحارثي)



(نُشرت هذه القراءة في ملحق شرفات بجريدة عمان، 24 يناير 2012)

"طيري يا طيارة" قصة لا تطير بخيال الأطفال

جوخة الحارثي


ما هو الشيء المهم في قصة للأطفال؟
يبدو لي إنه – بالنسبة لكثير من كتاب القصص ونقادها ولكثير من الآباء والأمهات- المضمون، أو بعبارة أدق: الرسالة التربوية التي تؤديها القصة. ولكن هل هذا هو الشيء الأكثر أهمية حقا؟ لا شك أن هذه قضية كبيرة، وفي الحقيقة أنا لا أرغب بمناقشتها هنا إلا بقدر ما تمس الكتاب الذي أود مناقشته، وهو القصة الفائزة بجائزة اتصالات لأدب الطفل، لعام 2011م، وهي جائزة يقدمها المجلس الإماراتي لكتب اليافعين برعاية شركة اتصالات، وتعلن نتائجها في معرض الشارقة للكتاب.

عنوان القصة التي نشرتها دار نهضة مصر هو "طيري يا طيارة" وكاتبتها أماني العشماوي، وتستطيع أن تفهم فوز هذه القصة بالجائزة إذا وضعت نصب عينك ما يفكر به الآباء والمربون وحتى نقاد أدب الطفل على ما يبدو وهو المضمون والرسالة، فالقصة تهدف إلى توصيل فكرة إن "سعادة الإنسان وتعاسته تنبع من داخل نفسه، وليس من الأحداث أو الظروف التي تحيط به"، كما ورد في الغلاف الخلفي للكتاب، وهي فكرة رائعة كما ترون، وتوصيلها للأطفال عبر قالب
أدبي هو أيضا فكرة رائعة، ولكن هل تساءل أحد كيف تم هذا التوصيل؟

القصة – باختصار- تدور حول زهراء التي توفي أبوها ثم توفيت أمها، فانتقلت لتعيش مع قريب بعيد لها في مدينة بعيدة، زهراء حزينة لفقد أبويها، ولا تستطيع التكيف مع حياتها الجديدة، ولكن الخالة زينب، زوجة قريبها، تكلفها بواجبات بيتية وترسلها إلى مشاوير لتتغلب على انطوائها، تتعرف زهراء على عبد الرحمن الذي يعلمها صنع الطائرات الورقية واللعب بها لتطير همومها معها، تحس زهراء بالسعادة أخيرا خاصة حين تعلم أن عبد الرحمن يتيم مثلها ولكنه غير حزين أو مهموم، وتقرر الاحتفاظ بالطائرة الورقية لتعطيها طفلا آخر تعيسا لإسعاده.

هذه هي القصة. فهل تعلم الطفل حقا أن سعادته تنبع من داخله وليس من ظروف حياته؟ وإن علمته ذلك، بواسطة عبد الرحمن على الأقل، فهل هذا مبرر للطريقة الغريبة التي قدمت بها أحداث وشخصيات القصة؟ من أول صفحة نواجه بحشد من الشخصيات: زهراء، والأب، والأم، وخالتها، وزوج خالتها، وابن عم أبيها. كل هؤلاء يرد ذكرهم في أول صفحة بالقصة، وفي الصفحة التالية سيظهر الطفل عبد الرحمن والخالة زينب، وبعد ذلك سيظهر سامح ومها وسناء وعائلة عبد الرحمن. كل هذا الحشد من الشخصيات يُنتظَر من الطفل أن يستوعب علاقاته المتشابكة مع أن وجوده غير مبرر أساسا في نسيج الحكاية، وهذا يفضي بي إلى القضية الأكثر أهمية فيما يتعلق بهذه القصة، وما كثرة الشخصيات إلا مظهر من مظاهرها، وهي الإملال وكثرة التفاصيل. في كل صفحة من "طيري يا طيارة" ما يمكن قوله في سطر واحد يقال في عدة فقرات، لا تستغني الكاتبة عن أي شاردة وواردة في التفاصيل لاغية تماما دور خيال الطفل وتصوراته، فهي تشرح له بالتفصيل كيف أن زهراء رافقها زوج خالتها إلى الحافلة، وكيف حمل حقيبتها في الحافلة، ثم حملها إلى غرفتها في بيت عائلتها الجديدة، وفي ثنايا ذلك نلمح إشارات لا يفهمها إلا الكبار، مثل كونه يحمل الحقيبة "بنفسه" كما أوضحت الكاتبة، ومثل الإشارة للحوار الذي تبادله مع قريبها الذي ستعيش في بيته "فبدا على الخالة زينب التأثر"، وسأضرب مثالا واحدا على ما أقصده بالتفاصيل التي لا داعي لها، فحين تريد أن تخبرنا الكاتبة بوصول الحافلة إلى الاسكندرية حيث بيت عائلة زهراء الجديدة تقول: "نزلنا من الحافلة في الشارع الرئيسي، وحمل زوج خالتي حقيبة ملابسي، وسرنا في طريق ضيق بين البيوت حتى وصلنا إلى البحر، وهناك سرنا في محاذاة سور منخفض يفصل بين الشارع وشاطئ البحر، وبعد قليل رأينا ولدا في مثل طولي تقريبا يسير فوق هذا السور على يديه...ثم نزع حقيبتي من يد زوج خالتي، وركض أمامنا حتى البيت الثالث في الصف، وقف عنده وطرق الباب، لحقنا به، فوجدنا الباب قد انفتح، وأطلت سيدة...الخ". فكل هذه التفاصيل المملة لا تثير خيال الطفل ولا تبعث أدنى قدر من التشويق، وهذا – للأسف- ينطبق على القصة كلها، فهناك تفاصيل في كل حركة، وأكثر من ذلك هناك إصرار واضح على "إقرار قواعد السلوك" إن صح التعبير، فالطفلة زهراء لا تدخل غرفتها، ولا تلعب ولا تكلم أحدا إلا بعد الاستئذان من الخالة زينب، وقد لفتتني هذه الظاهرة في قصة قصيرة فأحصيت عدد مرات تكرار الفعل استأذن أو مصدره في الكتاب، فوجدتها سبع مرات! هذا غير "المضمر" من مثل "أردنا الخروج فأومأ عمي موافقا"، فلماذا هذا الحرص على "التهذيب" في قصة يفترض أنها تعلم الطفل السعادة وتطلق مخيلته؟

أما الشخصيات فقد قدمت بطريقة غريبة حقا، فزهراء، البطلة، لا تتوقف عن البكاء من أول القصة حتى الصفحة ما قبل الأخيرة، نعم، هي فتاة يتيمة في حياة جديدة عليها، ولكن هذا التكرار لكلمة "بكيت" ومشتقاتها ألا يمكن تلطيفه في القصة؟ في الصفحة الأولى فقط تكرر الفعل "أبكي" خمس مرات! ثم تكرر بتنويعاته في القصة كلها سبع عشرة مرة! إن شخصية زهراء بلا ملامح إطلاقا. إنها مجرد طفلة مملة تبكي، وتتهم نفسها بالخجل وكثرة الهموم، وتحس بالذنب لأن صديقها عبد الرحمن سعيد رغم أنه فقد أبويه مثلها! وتحس بالذنب لأنها لا تعرف كيف تسعد الخالة زينب!! لا أتصور كيف يمكن أن يتعاطف الأطفال مع زهراء أو أن يقتنعوا بطريقة انتهاء همومها. إن عبد الرحمن يبدو أكثر ديناميكية وإقناعا كشخصية. أما الخالة زينب فلا تبدي أي نوع من التعاطف والحنان تجاه زهراء، إلا إذا كان تحميل المسؤوليات في الكي وتنظيف البيت وشراء الحاجيات من البقالة هو طريقتها في الحنان، وقد يستوعب الكبار هذه الطريقة في إلهاء اليتيمة ويتفهمون نتائجها، ولكن كيف يتلقى الطفل الذي يقرأ القصة شخصية الخالة زينب؟ إنها مجرد امرأة كثيرة الأوامر! أقصى ما يمكنها تقديمه هو "السماح" لزهراء باللعب مع أقرانها وتطيير همومها مع الطيارة الورقية.

هل نبل الفكرة مبرر للترويج لعمل أدبي قد يرضي المربين ولكن ليس الأطفال أنفسهم؟ عمل خال من التشويق ومليء بالتكرار لدرجة إني فشلت أكثر من مرة في حمل بعض الأطفال على إكمال القصة، مع أن هؤلاء الأطفال يحبون قراءة القصص. ولكن – يا للأسف- ليس القصة الفائزة بجائزة اتصالات لأدب الطفل.

لقراءة نصّ الموضوع كاملا»

17 ديسمبر 2011

قراءاتكم: "كتيبة استطلاع في أرض الأنبياء" (قراءة: محمد القرعاني)



إنّ من أهم واجبات أهل المعرفة والعلم، نشرُ هذا العلم الذي تمكنوا فيه وعرفوه؛ ليبقى حياً في نفوس الجيل بعدهم، ويتوارثه الأبناء والأحفاد. ولهذا لم يفتأ أهل التاريخ يسجّلون الحوادث ويبصّرون الأنام بوقائع الأمة؛ ليستلهموا منها العبر والدّروس. وكانت شريحة الأطفال والصّغار لم تنل حظاً واسعاً من الاهتمام والتعليم بواقع أمتها، إلا عدداً قليلاً حاولوا توجيه شاشة التاريخ والمعرفة نحوهم، فنجح أناسٌ وأخفق آخرون.
وإنني أعتبرُ من الأعمال الناجحة – بإذن الله – هذهِ السلسلة المصوّرة (الجديدة) "كتيبة استطلاع في أرض الأنبياء" سطرتهُ الأستاذة / بان عبدالله .. ورسمه المبدع/ سامي مراد. السلسلة ممتعة ورائقة، وهي تتألفُ من خمسة أجزاء، حوى كل جزءٍ مدينة من مُدن فلسطين "الحبيبة" بأسلوب مشوّق مصوّر فريد؛ يقرّب المعلومة، ويبيّن المعالم الهامّة. في السلسلة الأولى : ابتدأت الحكاية مع ممالك النمل (نمول – فتول – عضول) في مسيرة التعرّف على مدينة (الخليل) في رحلة يغلبُ عليها طابع الاستكشاف والبحث عن هذه المدينة العزيزة على القلب. مروا في طريقهم على (عين الحمام) ، ورأوا في هذه المدينة الجميلة (المسجد الإبراهيمي)، وعلموا ماذا يصنعُ أهالي مدينة (الخليل)؛ ليستأنفوا بعدها رحلتهم الثانية في الجزء الثاني إلى مدينة (نابلس الخضراء)، حيث البساط الأخضر الجميل، والأراضي الزراعيّة المثمرة، والحواري العتيقة الأثرية كحارة (الخان، الغرب، الشرق، ..) ، والجوامع الكثيرة كجامع (الخضراء، الخضر، الأنبياء)، ثم يتوقفوا ليعرفوا ما هي الجامعة الموجودة في هذه المدينة؟ وما هي تاريخ هذه الأراضي الخضراء منذ عهد الأنبياء إلى اليوم؟ وما هي القرى المحيطة بهذه المدينة الزاهية الجميلة.
تنتقل المجموعة الاستكشافية في (مملكة النمل) بعدها إلى مدينة (عكا) ليشاهدوا في بقعة واحدة مدينة بلونين .. قديمة داخل الأسوار، وجديدة خارج الأسوار! . ثم يسيرون في شارعها الشهير (شارع صلاح الدّين) حتى يصلوا إلى جامع (الجزار)؛ ليستريحوا هنالك ويستمعوا إلى (أبي عمر) و (أبي أحمد) في حوارٍ تاريخي رصين يتمحورُ حول (عكا) من العهد الإسلامي، وحتى هذه الأيام . المحطة الرابعة ستكونُ مميزاً بلاشكّ حينما نعلمُ أن وجهة (مملكة النمل) قد يمّمت شطر مدينة (يافا) الجميلة، وهناك التقوا بصديقهم الجديد (يعسوب)؛ ليكون دليلاً لهم ومعرّفا بتراث (يافا) ذاتِ الأحياء السبعة، وذات الساحات المعروفة كـ ساحة (الشهداء، السّاعة)، وليعلّمهم تاريخ (يافا) قبل عصور المسلمين، وبعدها حتى أحداث مجزرة (يافا) عام 1948 والذي راح ضحيّتها 70 شهيداً!
ثم تلتقي المجموعة الرّاحلة (مملكة النمل) بصديقهم الجديد: (البحّار) حرشوف؛ ليركبوا أمواج البحر، وليطّلعوا على أقدم ميناء في فلسطين، والذي يخدم السفن لأكثر من 4000 عام!. وتنتهي رحلتهم بالمدينة التي عرفها الصغار قبل الكبار، غزة (العزة)، أو (غزة هاشم)؛ فيبتدأون بمعرفة تاريخها، وأحيائها، وجامعاتها، ومدن قطاع غزة ومخيماتها كاملة من الشمال إلى الجنوب، وختام العقد : مدينة القدس، وما أدراك ما هي؟! هذا الجزء لأهميّته أفردت المؤلفة له صفحات أكثر من كل صفحات السلاسل السّابقة، وبذلت جهداً مُضنيا من أجل التعريف بهذه المدينة العظيمة، ابتدأت الحكاية بحوار لطيف بين أفراد أسرة مملكة (النمل) وقرروا الاتجاه إلى الشّمال مروراً بجبل الطور، وجبال العاصور إلى المدينة العزيزة (القدس)، حطّ أفراد (مملكة النمل) رحالهم، وبدأوا في الاستكشاف والبحث في هذه المدينة الفاضلة مع الصّديقة الجديدة (يمامة)، وتعرّفوا خلال هذه الرّحلة على أسماء (القدس)، وأبوابها، ثم حلقوا مع (يمامة) إلى المسجد الأقصى، فجالوا في معالمها الآسرة، وعرفوا حدودها، وأبوابها، وحدثتهم (يمامة) عن تاريخ القدس من زمان الآشوريين والفراعنة مروراً بالعهد الإسلاميّ الميمون، إلى واقعنا اليوم الحزين، وما يُحاك في هذه المدينة من مؤامرات وتخطيطات صهيونيّة.

حقاً لقد استمتعتُ كثيراً بهذه السلسة، كما استمتعتُ بالاجزاء الأخرى مع أخواتي الصّغار، وأدعوكم إلى اقتنائها، والانتفاع بها.
أعتقد أنّ هذه السلسلة الجديدة في عالم (مكتبة الطفل) تميّزت بأمور عدّة من أهمها :
1- صياغتها بأسلوب دراميّ محبب للأطفال، بشخصيات عدة تميزت بالإثارة والمتعة.
2- الكتابة الفصيحة لكامل القصص والرّحلات، إضافة إلى وضع (التشكيل والحركات) على الحروف.
3- الرسوم التوضيحية لمسار "مملكة النمل" في رحلاتهم، وتميّز الرسّام في إيصال الرسالة بشكل عميق.
4- الصّور الحقيقية للأماكن والأحداث وُضعت بشكل يتوائمُ مع أحداث القصص والأشخاص.
وغيرها كثير، ولعلّ ما سبقَ كافٍ لاقتنائهِ ونشرهِ بين أطفالنا الصّغار، وفي معاهد الروضة والتمهيدي التربوية، وأجزمُ أن كثيراً من معلومات (السلسلة) جديدة على الكبار قبل الصّغار.
السلسلة من إصدار : دار الفكر العربي، 6 أجزاء بقيمة (30) ريالاً، وقريباً ستكون متوفرة في الأسواق السعودية (جرير – العبيكان) حسبَ ما أخبرني البائع في الدّار.

محمد القرعاني

لقراءة نصّ الموضوع كاملا»

16 نوفمبر 2011

قراءاتكم: العدد 14 من نشرة "اقرأ"


الأعزاء أصدقاء المدوّنة

إليكم العدد الرابع عشر من نشرة "اقرأ" التي تصدرها "مجموعة مركز المعلومات" بكلية التجارة والاقتصاد في جامعة السلطان قابوس، وهي نشرة دورية عبارة عن صفحة واحدة تحتوي على قراءة لكتاب، ويتم توزيعها في مرافق الجامعة.

يمكنكم الاطلاع على النشرة بالضغط على الصورة المقابلة أو تحميلها.


لقراءة نصّ الموضوع كاملا»

31 أكتوبر 2011

قراءاتكم: العدد 13 من نشرة اقرأ


الأعزاء أصدقاء المدوّنة

إليكم العدد الثالث عشر من نشرة "اقرأ" التي تصدرها "مجموعة مركز المعلومات" بكلية التجارة والاقتصاد في جامعة السلطان قابوس، وهي نشرة دورية عبارة عن صفحة واحدة تحتوي على قراءة لكتاب، ويتم توزيعها في مرافق الجامعة.

يمكنكم الاطلاع على النشرة بالضغط على الصورة المقابلة أو تحميلها.


لقراءة نصّ الموضوع كاملا»

قراءاتكم: رواية "الزواج من بوذا" (قراءة: حاتم سالم)


(نُشر هذا العرض أولا في موقع الحوار المتمدن بتاريخ 28 أكتوبر 2011)

الزواج من بوذا : للحب ثمرة

عندما رأيت هذه الرواية لأول مرة قلت ان وي هيوي لديها ما تود قوله فعنوان كـ (الزواج من بوذا) لن يجعلنا نتساءل عن أي نوع هذا من الزواج الذي يستغرق سرد تفاصيله ثلاثمائة صفحة. مؤكد جدا ان قرار الزواج من إله ليس قرارا صغيرا لنعلنه بعد صفحتين !

كوكو الشابة الصينية التي تتسابق دور النشر على طرح وترجمة اصداراتها المثيرة للغرائز ولدت في معبد بوذي ملئ بالحكمة والروائح الجميلة. تقرر العودة لشنغهاي مدينتها الأم جيئة ً من نيويورك , فتجد ان الكثير قد تغير الا السُلطة القدرية التي مازالت تحجر كتابها الأول (شنغهاي بيبي) من التداول.

لم تتوانى لحظة عن ابداء الدهشة مع ذاتها حينما رأت اكسير التي كانت قبل ذلك شابا ملئ بالبثور ويبحث عمن تشاركه النشوة , رأته هذه المرة شابة مزهوة بنفسها وتمتلك مطعما غير عادي , كل شئ كان يبدو لـ كوكو انه يتغير بسرعه في هذه المدينة العامرة بالنزوات والنساء.

تولي (الزواج من بوذا) الجنس والحب أهمية جوهرية وفعليه , بدئا من ذلك المشهد الذي تجد فيه كوكو نفسها نائمة إلى جانب شاب بعد ان كان يقوم بتدليك اقدامها في احد الصوالين. ولم تدع لنفسها مجالا أن تصدق نفسها ان الذي فعلته كان مع صبي لم يتعدى الخامسة عشرة !

وتمضي كوكو متنقلة ما بين المدينتين نيويورك حيث يقيم حبيبها الياباني ذو القامة الطويلة (موجو) وما بين شنغهاي. وفي حلها وترحالها لا تفارقها تلك الرغبة العارمة بالامتزاج مع حرارة جسد موجو. الا ان هنالك ما كان يقلقها فعلا حول حقيقة مشاعرها اتجاه موجو وحقيقة مشاعر موجو اتجاهها.

كانت تتسائل وتكرر السؤال ذاته في زوايا عديدة من الرواية , عمّا اذا كان يجب ان تنجب طفلا من موجو ام لا , وهل يجب ان ينتهي ما بينهما إلى قدر الزواج ؟!
لطالما احتد الموقف بينهما في مواقف معينة , آخرها عندما كانت هي وموجو في أحد الاسفار واتهمها بأنها تغالي في الغطرسة. في المقابل تبدو شخصية كوكو بالرواية كانسانة حساسة يمكن ان تثيرها كلمة قالها موجو فتركن غاضبة وترميه بكل سلبياته !
مع كل خلاف تشرع كوكو في إعادة النظر بعلاقتها بموجو. ورغم الفتور الذي كان يصيب العلاقة بينهما الا انها لم تفكر في يوما ما في أن تهتم ببناء حياتها من جديد باتخاذ رجل آخر. الا في حالة واحدة عندما تمكن زير النساء نِك من اختلاس لحظات دافئة معها في شنغهاي بعد أن أجهدها وهو يتبعها إلى كل بقعة تسافر فيها زاعما انه يحبها. الا انها بقيت علاقة جسدية ولم يظهر على كوكو انها تحب نِك كما تحب موجو.

الزواج من بوذا رواية تضج بالرهبنة والتعاليم الحكيمة , رواية تضج بالسفر والمدُن, تضج بالمطاعم وقوائم الطعام , وتضج بالصُدف التي تجعل كوكو تلتقي بأناس عرفتهم في السابق كخطيبها السابق.

القارئ للرواية قد يعتقد انها سرد عادي جدا لأحداث متفرقة , وحتى الفصل الذي يسبق الفصلين الأخيرين لا يدلل بشئ واضح على ان الرواية تتبع نهجا روائيا خالصا. لكن وي هيوي وهي كاتبة الرواية تفاجئ القارئ بنوعية أخرى من الاحداث تجعل عملها الروائي هذا ذو مغزى في الفصل قبل الأخير تحديدا.

قررت كوكو في احدى اللحظات ان تترك موجو وتعود لبلدها الأم بعد خلافهم الأخير وحتى تتمكن من معرفة شعورها الحقيقي ومدى شوقها لهذا الرجل. لكن سرعان ما اثبت لقائهم الاخير باليابان ان كلاهما يحب بعض وزادت العلاقة رسوخا , حينما (قذف) موجو لأول مرة في اثناء ممارسة علاقتهم الحميمة فأحست كوكو بأمر قادم يقترب !

وبالفعل , كانت كوكو مقبلة على عاطفة من نوع آخر , على مرحلة لطالما كانت تشغل جزءا من تفكيرها. لقد تم تشخيص حملها طبيا , بينما شخصته وي هيوي على انه ثمرة الحب. وحتى الوقت الذي تنتهي فيه الرواية لم تكن تعلم كوكو حقا من هو أب الطفل الفعلي هل كان نِك أم موجو , لكن حلما ما كان يراودها في احد الليالي يشبه تلك الأحلام التي كانت تراودها ايام تواجدها بمعبد المطر الورع. وقبل ان يشارف الحلم على الانتهاء رنّ في اذنها نداء , لطالما تردد في احلامها , لكنه كان اوضح هذه المرة , قائلا " تزوجي بوذا " !!


حاتم سالم عبدالله




لقراءة نصّ الموضوع كاملا»

25 أكتوبر 2011

قراءاتكم: "مذكرات فتاة عربية متمردة" (قراءة: مريم العدوي)



• مذكرات فتاة عربية متمردة
تأليف: منى أورويل




اسم مستعار ، كتاب إلكتروني وتمرد ، بكل تأكيد جميع ما سبق يُشعل لدى المرء رغبة مُلحة لاقتناء الكتاب والبدء في قراءته ، وبالنسبة لي تقاطعات أخرى كذلك بيني وبين منى جعلتني أسعى لاقتناء الكتاب وقراءته في أقرب وقت.

فكرة النشر الإلكتروني منحت منى فرصة البوح والكتابة في مأمن من رقابة المجتمع الذي تبدو هي في مذكراتها الفتاة الحانقة عليه ، متمردة من القبيلة والاسم الثاني ولكنها لم تستطع أن تتمرد من منى التي صاغت كل تفاصيل حياتها وجعلت منها تلك الفتاة الحالمة بالتمرد ، وهُنا أقول الحالمة بالتمرد ؛ لإنني لم أجد في مذكرات منى من التمرد سوى الحلم ، إلا إذا كانت صورة التمرد لدى منى غير تلك التي لديّ ، وهذا الأمر يبدو ملتبساً عليّ حيثُ أن المرأة العربية لطالما سعت إلى التمرد ، ولكنها أبداً لم تصل إليه – في رأي – ؛ ربما لأنها لا تعرف ما تريد بالضبط أو ما الداعي إلى التمرد ؟!

في الصفحات الأولى من المذكرات راودتني الكثير من الأسئلة التي كُنت أرجو أن أضعها في حوار لمنى أورويل بالإنجليزية ، ولكنني تراجعتُ عن الفكرة إحتراماً لرأي منى و عدم رغبتها في الفترة الراهنة في الإجابة عن أي أسئلة حول مذكراتها ؛ لكي لا يسهل الكشف عن هويتها في الوقت الحالي على أقل تقدير ، حيثُ أنها تتوقع أن لعبة التخفي والاسم المستعار لن تطول .

وكان أول سؤال قد تبادر إلى ذهني ، ماذا يمكن أن تكتب فتاة في الثانية والعشرين من عمرها ؟ حيث أن فكرة ساذجة كانت تطل عليّ بين الفينة والأخرى في مرحلة مُبكرة من طفولتي لأكتب مذكراتي ، ثم وجدتُ أن هذه الفكرة مبكرة ، مبكرة جداً لدرجة إنني لن أجد ما أكتبه ويثير دهشة الآخر وبالتالي فلن تكون مذكراتي من الأهمية بمكان لأحد ، فقراءة مذكرات وتراجم شخصيات كانت حياتها حافلة بالأحداث تجعل من المرء يتراجع سريعاً عن أفكار كهذه ، منى أورويل – كما أحبت أن يصبح اسم كاتبها المفضل ملتصق ٌ باسمها ( جورج أورويل ) - هُنا فآجأتني حيثُ وجدت ما تقوله ، وما تدهشنا به إلى حد ما ، وكما يبدو فإن معاناة الطفولة التي عاشتها منى نتيجة زواج الأب من امرأة أخرى غير والدتها قد رسبت في روحها من الآلام ما شاء الله أن تشكل شخصها اليوم ، وكما تصف منى نفسها فلقد كانت الفتاة الخجولة والمنطوية والمتقوقعة في وحدتها مع إكتئاب مزمن .

كتبت منى مذكراتها متحررة / متمردة من كل حيثيات كتابة المذكرات ، حيث سطرت هواجسها تباعا لما تبادر في ذهنها دون العناية بالفترة الزمنية أو أهمية الحدث ، كما استخدمت اللغة الإنجليزية البسيطة ، وهنا يأتي السؤال ، لمن كتبت منى ؟

كتبت منى بالإنجليزية عامدة ؛ ليصعب التعرف إلى شخصها ولأنها كذلك لا تتوقع قارئاً عربياً في موقع أجنبي للكتب الإلكترونية ، ولكن ما أهمية طرحها لما طرحته أو بالأحرى لما سردته من قضايا دعني لأقول بالغة الحساسية إن كانت لا تحاول أن تجد لها حل ، كما أجابت منى عن هذا فإنها تكتب بهدف الكتابة وحسب ، وهُنا مربط الفرس.

منى طرحت / ناوشت قضايا تخص المجتمع العربي الظفاري خاصة حيث تعرضت لقضايا تخص ذلك الإقليم وحسب في كثير من السطور.

دون الإهتمام بعرض القضية بإنصاف وبحذافيرها فقط من وجهة نظرها الشخصية وبشكل سريع ومن ثم فهي تريد إيصال أفكارها لتكون صورة هذا الأقليم أمام العالم ، وهذا الأمر الذي لا أتمنى أن أقسو فيه على تجربة منى التي كان نصيبها من تقديري وإحترامي وافراً ، إلا أن الأمر يعيدُ إليّ هواجس راودتني في فترة ماضية حول الجانب المظلم لفكرة التدوين الإلكتروني ، حسناً اليوم فتحت لنا الشبكة العنكبوتية آفاقاً واسعة للكتابة ولحرية الرأي والتعبير ولكنها للأسف جعلتنا سطحيين إلى حدِ كبير وهي قضية لا ينبغي أن نغفل عنها حيث أنه من المؤسف أن تصبح الكتابة الإلكترونية بجميع أشكالها وكيفياتها بدءاً من المواقع والمنتديات و انتهاءً بالمدونات ثقلاً آخر على ساحتنا الثقافية ناهيك عن ما كان من نصيب الصحافة وذلك باب يطول استقصاءه .

رفضت مني أي تصحيح للغتها كما أشارت في مذكراتها ، وربما كذلك لأفكارها ، وأجدني لا أقوى على الصمت عندما تُناقش قضايا مهمة وحساسة جداً كالقضايا الدينية والإجتماعية - ليس لأنني كالبعض أؤمن بأنها قضايا عليها خط أحمر بل على النقيض أؤمن بحرية مناقشتها - ولكنني أستآء من أن يفهم أحدهم الأمر وفق ظروفه الخاصة ومن ثم يعمم الفكرة على نطاق عام .
فما تكتبه اليوم وترسله عبر هذه الشبكة العنكبوتية أو أي سبيل آخر سيوصل أفكارك لآلآف الأشخاص وأكثر من ذلك في السنوات القادمة ، وكل كاتب مؤتمن فيما يقدمه.
ولكي لا نضع منى في دائرة المتهم ، تبقى هي مذكراتها وأفكارها التي لا نستطيع أن نقف موقف القاضي ونلزمها بتغيير آراءها.

أقول وآثقة بأن آلاف من شبيهات منى تحت سماء هذا الوطن وغيره من الأوطان ، يكتبن ولكنهن لم يجدن السبيل بعد ليمنحن الآخرين فرصة القراءة.

تشغلني ثيمة التشابه بين مذكرات منى أورويل والسيدة سالمة آل سعيد.

وثمة ثيمة أخرى في مذكرات منى تعيد إليّ صورة مليكة أوفقير - السجينة / المغتربة - .

لقد كانت مذكرات منى أورويل قصيرة جداً ربما ذلك نتيجة صغر سنها ، كما أنها جاءت بتفاصيل بسيطة وسريعة وكأنها رغبة في البوح لا أكثر.

في انتظار وردة السلطان سنبقى وهي الرواية الأولى التي ستكون بالعربية لمنى أورويل وفيها ستفصح منى عن هويتها الحقيقية .

قرأتُ المذكرات على مسمعِ من أمي وأختي حيثُ كنتُ أقوم بدور المترجم الشفهي لهما ، أوقفتني أمي بين السطور قائلة : أخبريها بأنها غداً ستنسى ، هنا الكثيرون ممن تزوجوا أكثر من امرأة وعانى أطفالهم ثم كبروا ونسوا .

منى ... هل ستنسي يوماً وتبقي تحت سماء هذا الوطن ؟


مريم العدوي

لقراءة نصّ الموضوع كاملا»

10 سبتمبر 2011

قراءاتكم: كتاب "عصر العلم" لأحمد زويل (قراءة: ماجدة الهنائي)



الكتاب يتألف من جزئين الجزء الاول عبارة عن سيرة حياة الكاتب، والتي استعرض خلالها رحلة حياته في العلم إبتداء من مولده في في مدينة دمنهور بمحافظة البحيرة بدلتا النيل، ثم انتقال أسرته إلى مدينة دسوق ونشأئه وتعليمه ومدى تأثير هذه المدينة في تكوين شخصيته الهادئة والمتعطشة للعلم، أسرته وتأثيرها وخاله الذي أثر في حبه للقراءة والاستمتاع باغاني السيدة ام كلثوم، ثم تفوقه الدراسي الذي ظهر جليا منذ سنينه الاولى بالمدرسة وإلتحاقه بكلية العلوم في جامعة الاسكندرية حيث كان عاشقاً للكيمياء التي تخصص بها، وادى تفوقه إلى قبوله كمعيد بقسم الكيمياء بالكلية بعد تخرجه.

وفي جامعة الاسكندرية كان شغوفا في البحث العلمي لدرجة أنه تمكن من إنهاء متطلبات الحصول على درجة الماجستير في أقل من المدة المقررة، وقد تأثر جدا بعدد من الاساتذة الذي حصلوا على درجات علمية من جامعات اوربية وامريكية، وقد تأثر بالاسلوب الامريكي في التحليل العلمي كما أن عدد من الاساتذة الذي حصلوا على درجة الدكتوراه من هناك قد شجعوه كثيرا للذهاب لأرض الاحلام، وكانت بداية الطريق، حيث حصل على قبول من جامعة بنسلفانيا للحصول على درجة الدكتوراه، ومن هنا بداء بالاندماج في المجمتع العلمي الامريكي الامر الذي وفر له فرصة لقاء عدد من الاساتذة الجامعيين الحاصلين على جوائز نوبل في عدة فروع من العلوم، وحصوله على فرصة عمل في جامعة كالتك (كاليفورنيا للتكنولوجيا) كعضو في هيئة التدريس، وجدير بالذكر هنا أن ما دفع الدكتور زويل للاستمرار في امريكا هي فرص وإمكانيات البحث العلمي المتقدمة والتي لايمكن الحصول عليها في مكان اخر.

وفي جامعة كالتك بداء مشواره العلمي في الفيزياء الكيميائية، وبداء مشاريعه البحثية في دراسة ظاهرة ترابط الجزيئات باستخدام اجهزة الليزر، وكون فريق عمل مكون من طلاب الدراسات العليا والباحثين، وتشعبت ابحاث ودراسات فريق عمله ونتج عن أحداها اختراع جهاز يجمع الاشعة الشمسية ويحولها إلى طاقة كهربائية، وهنا قادته ابحاثه واهتماماته برصد حركة تكون الجزيئات إلى تصوير تلك الظاهرة في زمن قياسي وهو الفيمتو ثانية وتعادل جزء من مليون بليون جزء من الثانية، الامر الذي ادى إلى تأسيس علم الفيمتوكيمياء، وحصوله على جائزة نوبل في الكيماء تكريماً لمساهماته العلمية الجليلة في تأسيس هذا الفرع الجديد من العلوم.

في الجزء الثاني يستعرض الكتاب فكر الدكتور احمد زويل من خلال سلسلة المحاضرات التي ألقاها في العديد من الدول، و حواراته أثناء لقائه بالعديد من الشخصيات السياسية الهامة كملك السويد وملك أسبانيا والرئيس الامريكي السابق بيل كلنتون، ومهاتمير محمد رئيس جمهورية ماليزيا السابق ، السيدة سونيا غاندي رئيسة وزراء الهند، والسيدة ماري روبنسون رئيسة إيرلندا السابقة، وإطلاعه على العديد من التجارب الناجحة لدول استطاعت بفضل سياسات تبنتها حكوماتها فيالانتقال من دول فقيرة وبماورد محدودة لمصاف الاقتصاديات المعرفية كالتجربة الماليزية والكورية والايرلندية والهندية، ورؤيته في تأثير البحث العلمي في الاقتصاد والسياسة، والاستراستيجية التي من خلالها يمكن للدول العربية النهوض معرفياً واقتصادياوسياسياً والماسهمة في العصر الحديث ، ختم الكتاب بمبادرته التي قدمها للحكومة المصرية لتأسيس وتطوير قاعدة علمية في مصر تخدم الوطن العربي علمياً واقتصادياً.

الكتاب اكثر من رائع يأخذك في رحلة نجاح مفعمة بالتفائل ونظرة واقعية جدا للعصر الراهن ويجيب على التساؤلات عن كيفية دخول الوطن العربي العصر العلمي الحديث والاسهام فيه، انصح بضم سيرته الذاتية ضمن المقررات الدراسية لطلاب المدارس وخصوصاً في المراحل المتوسطة والثانوية لما تحمله من أفاق مشرقة للاجيال الجديدة. كما أتمنى أن تتحقق رؤية الكاتب على أرض الواقع.

ماجدة الهنائي





لقراءة نصّ الموضوع كاملا»

04 يوليو 2011

قراءاتكم: رواية "بائع الحلوى" (قراءة: ليلى البلوشي)


(ملاحظة: لم نستطع الحصول على صورة مناسبة لغلاف الترجمة العربية للرواية)


" بائع الحلوى " رواية صراع بين جيلين

حينما طالعت عنوان رواية " بائع الحلوى " للروائي الهندي الشهير " آر . كي . نارايان " ، اعتقدت لوهلة بأنني سأقرأ رواية تتفشى فيها الحديث عن الفقر والمجاعة السائدة في طبقات الدنيا في الهند كعادة معظم القصص والروايات الهندية ، بل سينما بوليوود أسهبت في تناولها عن مآسي الطبقات المسحوقة في الهند مع نظيرها الطبقة العليا وهي طبقة الأثرياء ، حتى ساد اعتقاد عام أن الهند يتركز سكانها بين هاتين الطبقتين بشهادة " مارتن توين " إثر زيارته للهند في القرن التاسع عشر حين قال عنها : " هذه هي الهند حقا ، أرض الأحلام والغرائب والثراء الفاحش والفقر المدقع ، للجن والعمالقة ومصابيح علاء الدين ، والنمور والأفيال ... " ، ولكن يبدو أن مؤلف رواية " بائع الحلوى " غير هذه الوجهة التقليدية ؛ فالكاتب يتحدث عن بطل ينتمي إلى أفراد الطبقة الوسطى في الهند ، والتي قلما نعرف أحوالها ، وفي هذا السياق اذكر باحثا هنديا يدعى " باوان ك . فارما " تناول في كتابه الذي صدر له حديثا " الطبقة الوسطى في الهند " أشار فيه إلى النهوض الهائل للطبقة الوسطى وأثر ذلك على نهضة الهند ككل ، فالطبقة الوسطى الهندية كانت بدايات صعوده في فترة النضال من أجل التحرر الوطني والتخلص من الاستعمار البريطاني الطويل على الهند ، وقد أشارت هذه الرواية التي صدرت لأول مرة في الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا في عام 1967م إلى مجتمع الطبقة المتوسطة في الهند في الخمسينات من القرن الماضي ، متناولا إياها بدقة على المستوى الاجتماعي والاقتصادي والسياسي التي سادت تلك الفترة ، وهذا يشير بدوره إلى أسبقية مؤلف الرواية إلى تأثير الطبقة الوسطى ..

يجسد " جاجان " حكاية هذه الرواية ، وهو رجل ينتمي إلى الطبقة الوسطى له محل صغير لبيع الحلويات ، توفيت زوجته اثر مرض خبيث في المخ فتركت له ابنهما الوحيد ، فيكرس " جاجان " حياته لرعاية ابنه الوحيد " مالي " موفرا له كل ما يلزمه من طعام وشراب كان يعكف شخصيا على طهوه ، ليبرز من خلالها شخصية أبوية لا مثيل لها ..

من جانب آخر تظهر سمات شخصية " جاجان " فهو شخص نشأ متعلما ، خلال دراسته الجامعية التي لم يفلح في إكمالها نتيجة التحاقه بصفوف " غاندي " لنصرة الهند من العدو البريطاني ، ويظهر على طول الرواية تأثير " جاجان " بشخصية " المهاتما غاندي " الزعيم الوطني الهندي ، فلم يكتف أن يكون من أنصاره بل تشرب أفكاره عن أسلوب الحياة والتقشف في أسلوب مأكله ومشربه وملبسه ، وآرائه الفلسفية في قيم الحياة والتعامل مع الناس مع ابنه " مالي " كذلك ..

ليظهر الصراع بين جيلين من خلال تصرفات " مالي " الذي يحسن الأب معاملته ويكون ابنه على نقيض معه ، ولكن تتبدى بذرة أولى النزاعات حين يقرر الابن عدم متابعة دراسته في الكلية ؛ بحجة رغبته في أن يصبح كاتب روايات ، تتوالى بعد ذلك سلسلة القرارات التي يخضعها الابن لأبيه ، والتي تكون بمثابة صدمات عنيفة له ، فيعزم السفر إلى أمريكا لدراسة فن الكتابة في جامعاتها ويخضع " جاجان " الأب المحب لابنه على مضض ، ولكنه بين الناس يفخر بابنه الذي يدرس في أمريكا ويحكي لهم أسلوب حياته من خلال الرسائل التي تصله من هناك ، والتي يظهر بعد ذلك أن الذي حرر تلك الرسائل هي " جريس " ، وهي الفتاة التي يفاجئ " مالي " أباه بإحضارها بعد خمس سنوات في الغربة ليقدمها لوالده ، فيعتقد الأب أنها زوجته ، ولكن الحقائق كلها تنفقع دفعة واحدة بعد ذلك ليكتشف " جاجان " أن " جريس " القادمة من أمريكا ليست زوجة ابنه بل رفيقته ، ويظهر هنا الصدامات النفسية التي تنشطر في داخله لتتشكل على هيئة خزي وعار ، فهو من طبقة هندوسية متدينة وأعرافهم لا تسمح بالعلاقات غير الشرعية ، ناهيك عن الزواج من فتاة مسيحية تأكل لحم البقر وهو محرم عند الهندوس .. وهنا تبدأ سلسلة أخرى من الذكريات التي تهجم على ذاكرة " جاجان " الأب المصدوم من ابنه ، لتكون هذه الذكريات بحد ذاتها مأربا للهرب من الضربات التي تلقاها من ابنه الوحيد ..

تنحصر معظم تلك الذكريات في العائلة التي انتمى إليها " جاجان " الأعراف التي نشأوا عليها مذ الصغر ، مبادئ احترام الآباء الذي افتقده " جاجان " في ابنه العنيد ، كما تعرض الرواية في فصله الأخير بعد صدمة الأب من عدم زواج ابنه ذكريات خطبته وزواجه على الطريقة الهندوسية بوصف دقيق ، وعن كيفية حضور مالي إلى حياتهم بعد عشر سنوات من العقم مرا به كلا الزوجين ..

وعرض المؤلف شخصيات أخرى كان لها دور الوسيط بين الأب وابنه منها شخصية " ابن العم " المنافق والانتهازي كما وصفها المؤلف ..
وتنتهي الرواية بسجن " مالي " ، وقرار " جاجان " بترك كل شيء وراءه ؛ للتعبد في معابد الآلهة ..

الرواية تحكي الكثير على مستوى الاجتماعي والديني والاقتصادي ، نجح الكاتب " نارايان " بتوظيفها في رواية واحدة بفصولها الثلاث عشر ، ليجد القارئ في كل فصل جانبا من جوانب التغييرات التي واكبت الشخصية الرئيسية التي تبلورت بهدوء وروية تتشرب في كل مرة أفكارها الفلسفية العميقة ، لتكون هذه الأفكار هي الخلاص في النهاية بالنسبة لها ..

والجدير بالذكر أن الروائي " آر . كي . نارايان " الذي ولد في مدراس عام 1906م وتوفي في عام 2001م عن عمر يناهز 94 عاما ، يعد من الأقليات التي كانت تتحدث باللغة الانجليزية في الهند ، كما أنه من أشهر الأدباء الهنود الذين كتبوا باللغة ذاتها ، وتأثروا بأدبائها على رأسهم " شكسبير " ، ومن خلال اطلاعه على المجلات الانجليزية التي صدرت في ذاك الوقت ساعدت على تكوينه فكرة عامة عن الحياة الأدبية في لندن ، ليظهر ذلك بدوره على معظم الروايات التي كتبها ..


ليلى البلوشي
Lailal222@hotmail.com



لقراءة نصّ الموضوع كاملا»

05 فبراير 2011

قراءاتكم: مجموعة "صبي على السطح" لجوخة الحارثي (قراءة: مريم العدوي)


جوخة الحارثي كاتبة من سلطنة عُمان ، حاصلة على ماجستير لغة عربية 2003م و دكتوراه في الشعر العربي القديم من جامعة أدنبرة بالمملكة المتحدة.
الإصدارات:
1- مجموعة قصصية "مقاطع من سيرة لبنى إذ آن الرحيل" عن دائرة الثقافة والإعلام بالشارقة 2001م.
2- رواية "منامات" عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر 2004م.
3- مجموعة قصصية "صبي على السطح" عن دار أزمنة 2007م.
4- نصوص "في مديح الحب" عن دار ميريت 2008م.
5- رواية "سيدات القمر" عن دار الآداب 2010م .
6- قصة للأطفال "عش للعصافير" عن النادي الثقافي 2010م.
7- دراسة "دراسات في أدب عمان والخليج" بالاشتراك مع مؤلفين آخرين 2003م.
8- دراسة "ملاحقة الشموس: منهج التأليف الأدبي في كتاب خريدة القصر للعماد الأصفهاني": قيد النشر.
9- دراسة "الجسد في الغزل العذري"، لم تنشر بعد (باللغة الانجليزية).
حصلت على عدة جوائز محلية وعربية،ولها عدة مقالات ودراسات في الصحافة العربية والالكترونية ، كما ترجمت بعض نصوصها إلى الانجليزية والألمانية. *


(المصدر: موقع الكاتبة جوخة الحارثي)

------------------

المجموعة القصصية : صبي على السطح ، صدرت عام 2007م عن دار أزمنة – الأردن

تحملُ بين طياتها 19 قصة ، (المحبوب ، العرس ، الخيول الراكضة ، صبي على السطح ، زجاج ، ما لن يأتي عبر النافذة ، بستان الزيتون ، فراشة البحر ، سأصلح القطار ، التيمينة ، نقط خضراء في فستان أبلة فتحية ، جنان ، ماء غير آسن ، حبة الفاصوليا ، الأشياء ، قصص قصيرة جداً ، لوحة لماتيس ، مشوار لسيتي سنتر ، على الكرسي الخشبي في الحديقة ..جلسنا )، تتقاطع مع مناخ المجتمع العُماني لتنطلق إلى ما يمس الروح الإنسانية بما في ذلك من مسارات فقد ، حب ،فرح ،ألم ومرض فالحارثي لا تميل إلى الأدب النسوي بل ترى بأن أفق الكتابة أكثر رحابة من أن يتقيد فالأدب ، أدب إنساني عند الحارثي .

لقد ساهمت جوخة الحارثي على مدى العشر سنوات المنصرمة في إثراء الساحة الثقافية العُمانية ، واستطاعت بما تملكهُ من تقنيات الكتابة الإبداعية والخيال الموغل في سبر المجتمع من أن تصل بمادتها الإبداعية إلى هذا المدى من الدهشة والإبهار الذي تصطدم به وأنتَ بين سطور مجموعتها القصصية : صبي على السطح ، وهي كما أشار الكاتب عبدالحكيم عبدالله في تحقيق أعدته الصحفية المبدعة : هدى الجهوري تحت عنوان : أتوسلُ إليكِ يا سنة 2010م أن تكوني أكثرَ قراءة ، نُشِر في ملحق الشبيبة التابع لجريدة عُمان الأربعاء 30 ديسمبر 2009م ، وضمّ ملفاً كاملاً عن أفضل ما قرأ الكتّاب العُمانيون عام 2009 ، ذكر عبدالحكيم عبدالله بأن صبي على السطح كان من أفضل ما قرأ عام 2009 وأشاد بتجربة الحارثي حيث ، (عملت بصبر وذكاء على تطوير أدواتها دون الوقوع في إغراءات النشر المتعجل والظهور الباهت الذي يقع فيه الكتّاب الشباب ) ، كما أشار إلى الهدوء الذي صبغ المجموعة في السرد ، وتصاعد الأحداث المثير لدهشة ، مؤكداً على أن الحارثي جمعت في شخصيتها الكاتبة بين حماس الشباب وحكمة الكبار .

والأمر المُبهج في صبيّ على السطح التي على - المستوى الشخصي - اعتبرها نجاحاً للقصة العُمانية ، أنها حظيت بأكثر من قراءة نقدية ، وباهتمام لا بأس به ، وإن كان كالمعتاد خارج الساحة الثقافية العُمانية أكثر منه عن الداخل ، جاءت قراءة زينب عساف للمجموعة بعنوان :زجاج يحول دون قطف النجوم ، والتي نشرت في النهار اللبنانية، كما نشرت المستقبل قراءة راسم المدهون التي جاءت بعنوان : التقاط غرائب الواقع وواقعية الغرائب ، وفي سبتمبر- أكتوبر 2007م أعدت مجلة القافلة الصادرة عن شركة آرامكو السعودية دراسة حول المجموعة القصصية .

للحارثي فلسفة خاصة في الكتابة نجدها حاضرة بقوة في قصص هذه المجموعة ، حيث مالت نصوص المجموعة إلى البناء التقليدي للقصة ، فكل قصة جاءت بحكاية ملتزمة بأساسيات كتابة القصة في البناء التقليدي ، رغم طابع الحداثة ، معتمدة على السرد ، مكثفة للسؤال في بعض القصص مثل : الخيول الراكضة ، والتي في حوار أعده خالد شحاته نشر على بوابة المرأة بتأريخ 18-1-2010م ،سأل شحاته الحارثي عن تكثيفها لسؤال في هذه القصة ، فأوضحت الحارثي (بأن صيغة التساؤل تحمل من الثراء أكثر مما تحمله الإجابة في صياغتها التقريرية أو الإخبارية بالإضافة إلى أن الصبغة الاستفهامية تمثل دعوة مفتوحة للقارئ لأن يفكر على عكس الجواب النهائي القاطع الذي يحمل – بالنسبة لي على الأقل – ركوداً ويجعلنا نغرق في حالة من السبات) .من حوار شحاته للحارثي

الحارثي في هذه المجموعة تنقل لنا صورا لشخصيات مهمشة من خلال اللغة المكثفة التي ببراعة استطاعت التمكن منها دون الوقوع في التداعيات المتكلفة ، لا لكي تغير المجتمع ، فالأدب في رأي الحارثي ليست وظيفته تغير المجتمع وإنما إثارة النقاش وتسليط الضوء على القضايا وحسب ، ( فالأدب غير مطالب بالبحث عن حلول لمشكلات المجتمع ، لأننا بذلك نحمله ما لا يطيق ، هو فقط يطرح الأسئلة ويلفت الانتباه )، كما ظهر الاهتمام بالتفاصيل الدقيقة في لغة مكثفة نجحت في إثارة القارئ وإدهاشه فجاء العمل شبيه بالبورتريهات حيث يمتد إلى التفاصيل الصغيرة ، و الحارثي ترى بأن اللغة عنصر أساسي في القصة ( فالإنسان يمكنه رسم ذاته من خلال اللغة وهذا يكفي لتحقيق الحضور الممتع في الحياة ) ، ابتعدت الحارثي في جميع نصوص المجموعة عن الذاتية والرومنطيقية لكي ؛ تقصي القارئ عن الربط بين شخوص المجموعة وبين شخصها .

اعتمدت صبي على السطح على السرد والسؤال الذي يثير الأفكار في ذهن القارئ مما جعل القصة أكثر ثراءً ، كما جاءت لغة النص كثيفة لتسمح للفرد بإظهار الغربة التي يدور في حلقاتها مع ذاته ومع المجتمع وأفكاره .
من نصوص المجموعة :

المحبوب ... العجز عن امتلاك المحبوب
في هذه القصة تعرض الحارثي تفاصيل موغلة في حقيقة الحُبْ ، وعجز المُحب عن امتلاك الحبيب ؛ فرغم مرور السنوات ، هنالك همس لم يفهمه رجب العالي بعد .
العرس ... سلومة
في بهجة العرس وفوضاه تلتقط لنا عدسة الكاتبة ، سلومة ، التي تجلس على الكرسي بثقة الملوك ، هذه المرأة التي تزوجت على مدار حياتها بعشرة أزواج ، تبدو تفاصيل حياتها رغم بساطتها مليئة بالكثير من الدهشة ، تغرق الكاتبة في سبر التفاصيل الدقيقة للمجتمع ولسلومة بالتحديد ، كأن تستمد سلومة ثقتها؛ (لأن دجاجاتها التسع نائمات الآن).

صبي على السطح ...اسم المجموعة
تبدو الحكاية بسيطة ، صبي في الثالثة عشرة ، يتسلق خلسة إلى السطح ليتلصص على النسوة الراقصات في العرس ، إلا أن الحدث يتصاعد عندما تنفتح عيناه بكل اتساعهما على ذلك الجسد الذي انفصل عن العالم ليرقص بتلك الخفة التي تثير شهوة الصبي المراهق ، وتجعله يتفاعل مع النغمات مع الرقص ، مبهرة هنا الحارثي عندما تحبس أنفاسك بلا مبالاة في سردها العميق ( انساب العرق من مفرق شعرها إلى رقبته )؟!

زجاج ... يفصلك عن الحياة
سعادة الموظف قاسم الذي يعمل في السجلات الطبية بالمركز الصحي بسبب نقل سعيد بن سالم ، زميله في العمل ، لم تكتمل ، خنقه الصمت ، هذا الزجاج البغيض يحيله إلى شئ جامد تماما كالجهاز الماثل أمامه ، أمسك بيد مراجع ، ضغطها بقوة ، باحثاً عن اليقين بأن هذا الزجاج لا يفصله عن العالم ، لحسن الحظ كانت يد رجل ، وليست يد فتاة حسناء كما فعل - لسوء الطالع- سعيد بن سالم من قبل .

الخيول الراكضة ... رتابة الحياة رغم تجدد الأحداث
ناصر العبد ، الحارس ، العسكري ، لا فرق ، القابع منذ زمن في هذه الغرفة في بيت الوالي ، يتغير الوالي ، تتغير الوجوه ، ولكن تبقى الحياة رتيبة ، تتبخر كل الأحداث التي عاشها في زيارته الأخيرة لأهله ويبقى لون الماء الفضي الذي سكن فؤاده ، تماما كما تبقى التماعات أساور ندى التي كبرت فجأة ، في عينيه ، حسب بأنه لم يتغير كرسم الراكضة في الجدار لن يتمكن منه الزمن ، لكنه انتبه فجأة إلى انطفاء ألوان لوحة الخيول الراكضة ، وأوضحت الكاتبة في حوار لها أن هذه القصة جاءت سوداوية لأنها ؛ (كتبت هذا النص في لحظة انكسار نتيجة حصار داخلي مارسته ضد نفسي، "ناصر العبد" بطل القصة يلزم غرفته رغم التطور المتسارع للحياة من حوله وهذه السلبية ما هي إلا هروب من المواجهة ) ؛ لذا جاء النص سوداوياً (فإنسان هذا الزمن يعيش عصر اغتراب الذات وأصبح مهمشاً لا رأي له فيما يحدث من حوله، كما أن الهزائم المتتالية والنكبات تحاصره طوال الوقت).

وأما في قصة بستان الزيتون وفراشة البحر ، يبدو المزج بين الخيال والواقع واضحاً مما يكسب النص عمقا أكبر . وتحت عنوان : قصص قصيرة جدا ، أربع قصص ، منها هذه القصة : (وقف الرجل الأسمر النحيل جداً في الشرفة ، وحين مدَّ ذراعيه على وسعهما ليقطف النجوم اصطدمت يداه بالزجاج .
الزجاج النظيف لدرجة الشك بوجوده كان يُسوَّر الشرفة .
والرجل الأسمر النحيل جداً نسي ذلك كما يفعل كل مساء .).

صبي على السطح ... مجموعة قصصية ممتعة وشيقة ، وغنية بالإثارة ، ممتزجة بتفاصيل المجتمع العُماني ومنطلقة إلى أفق رحب في إثارتها للانفعالات الإنسانية .



لقراءة نصّ الموضوع كاملا»

26 يناير 2011

قراءاتكم: رواية "رحلة بالداسار" لأمين معلوف (قراءة: رحمة آل خليفين)


بالداسار رجل أربعيني ,يعمل في تجارة التحف الثمينة,والكتب القديمة. يهديه إدريس العجوز كتاب المئة والذي يسمى أيضا بالمازندراني الذي كان بالداسار كثيرا ما يسمع عنه من تجار وأمراء يأتون إليه من مختلف أنحاء العالم للسؤال عنه..

في لحظة ضعف أمام مبلغ باهظ من المال من أمير قسطنطنية ,يبيع بالداسار الكتاب ,وسرعان ما يشعر بالندم اثر توبيخ ابنا شقيقته له وتنبيه بأهمية الكتاب..

يقرر بعدها بالدسار السفر الى القسطنطنية لاسترجاع الكتاب ، فينطلق من بلدته جبيل مع خادمه وابنا شقيقته , ويمرون على بلدان كثيرة ويتعرفون على شخصيات كبيرة ويعايشون أناسا كثر, يكتشف بالداسار في منتصف رحلته بأن احد السفن هاجمت السفينة التي كان يبحر فيها أمير القسطنطنية ليموت الأمير ويضيع الكتاب ,هنا تبدأ مغامرات طويلة ينتقل فيها بالداسار الى أزمير ويعيش رعب سنة الوحش التي دارت فيها الشائعات بأن العالم سينتهي بعد عام فقط, يعيش بالداسار قصة حب مع أرملة جاءت من جبيل أيضا ويفقدها فيما بعد في ظروف صعبة, يواصل بالداسار رحلته لتقفي أثر الكتاب الذي يجده أخيرا في لندن, ويشرع في قراءته ليدرك أنه ليس بالأهمية التي كان يرجوها,وأن أهم مكسب له من هذه الرحلة هي المعارف والبلدان والشخصيات والظروف التي عاشها وكيف تغلب عليها..

لغة النص كانت قوية ومشوقة , والرواية بأكملها عبارة عن يوميات مدونة جاءت على لسان بالداسار وهو الراوي الوحيد في فيها..

التاريخ حاضر وبقوة في الرواية , ولعل ما ذكر عن سباتاي يؤكد ذلك..
الحوار كان قليلا في الرواية , والتفاصيل المكانية والزمانية أكسبت الرواية تسلسلا ممتازا في الأحداث..

في الفصل الأخير من الرواية ثمة تفاصيل طويلة أدى الإسهاب فيها وتكرارها أحيانا إلى بعث الملل في نفس القارئ (لقاء بالداسار بغوريور في جنوى )
بصفة عامة الرواية جميلة وأسلوبها قوي ,وأنصح بقراءتها..


لقراءة نصّ الموضوع كاملا»

25 يناير 2011

قراءاتكم: رواية "ليلة التنبؤ" لبول أوستر (قراءة: هدى الجهوري)


(نُشر هذا العرض في ملحق شرفات بجريدة عمان، 24 يناير 2011)

ليلة تنبؤ بول أوستر: نسقط لنبدأ الحياة في مكان آخر

عرض: هدى الجهوري

بخفة غير معقولة يمكنك في ليلة تنبؤ أوستر أن تنتقل من حكاية لتدخل إلى حكاية أخرى، من دون أن تقع للحظة في فخ الخلط بين الحكايات، هذا إذا ما افترضنا أنك قارئ منتبه لما يدور في حياة سدني أور بطل الرواية، وما يدور داخل حكاياته الأخرى التي يكتبها.
أنهيت مؤخرا قراءة رواية "ليلة التنبؤ" للأمريكي بول اوستر الصادرة عن المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب في الكويت، بترجمة محمد هاشم عبد السلام، ضمن سلسلة إبداعات عالمية العدد 370 فبراير 2008، وربما كان من المتعب لأي قارئ منا، أن لا تكون هنالك فصول أو مقاطع أو حتى عناوين فرعية، فكل الأحداث تهاجمك دفعة واحدة، وتضطرك أن تبقى منتبها، ويقظا لكي لا يفوتك تفصيل صغير يفصل بين حياة سدني، وبين الكتابة التي يكتبها، ولكن بذكاء كتابي مدهش تمكن أوستر من صناعة فواصله الخاصة لينقلنا من زمن لآخر، حيث إنه جعل من القارئ شريكا جيدا في عملية التنبؤ التي يستشعر من خلالها: أين تقع الحياة، وأين تقع الكتابة؟.
*******
إنها عدّة حكايات، تبدو منفصلة عن بعضها البعض، ولكن الرابط الوحيد فيما بينها هو البطل سدني أور، في الرابعة والثلاثين من عمره، ينجو بأعجوبة من موت محقق بعد سقوطه من على السلالم، وإصابته بكسور بالغة ومشارفته على الموت. بعد أن يخرج من المستشفى، يفكر بمعاودة الكتابة، فكان أن أغراه كراس أزرق في محل للقرطاسيات يحمل اسم:"قصر الورق".
نخرج من الحكاية الأولى إلى الحكاية الثانية، ما أن ينصح الروائي والصديق العجوز جون تروس صديقه سدني بالكتابة. نصحه أن يبدأ من فكرة روائي أمريكي آخر اسمها "الصقر المالطي" للكاتب الأمريكي الشهير داشيل هاميت، عن رجل تسقط بالقرب منه بقايا بناء، ويكون على وشك الموت، فيفكر أن تلك هي إشارة لضرورة أن يغير حياته، وأن يبدأ حياة أخرى. حياة أخرى تنقطع تماما عن الحياة السابقة.

ويبدو أن كل شخصيات هذه الرواية تعيش هذه الحالة، وهذه الرغبة في أن تنفصل عن ماضيها، لتبدأ حياة أخرى، وجديدة منعزلة عن الذاكرة السابقة..ولكن هنالك بالفعل من ينجح في ذلك بقرار صغير يتعلق بـ"التمزيق" على سبيل المثال، هنالك من يفشل في ذلك.
يبدأ سيدني بالكتابة عن نيك بوين الذي يسقط بالقرب منه مزراب يكاد يقضي عليه، ولكنه ينجو من الموت، فيقرر أن يبدأ حياة جديدة في مكان آخر، بعيدا عن زوجته، وماضيه. نعيش نحن القرّاء كتابة الرواية منذ كلمتها الأولى، وندخل في تفاصيلها، نيك بوين هو قارئ نصوص في دار نشر كبيرة، وقبل الحادثة تُرسل له حفيدة كاتبة أمريكية من مطلع القرن العشرين اسمها سيلفا ماكسويل رواية جدتها التي تحمل عنوان "ليلة التنبؤ"، فتكون الرواية هي الشيء الوحيد الذي يفكر نيك أن يصطحبه معه من الماضي، بعد ما يقارب أربعين صفحة من كتابة رواية نيك بوين، نكتشف أن سدني يُلقي ببطله نيك في مأزق كبير، حيث يُحبس تحت الأرض في ملجأ مضاد للأسلحة النووية، ولا يستطيع سدني أن يخرجه بمعالجة كتابية منطقية، لذا يبقى في مكانه.
******
الروايات لا تكتب بسهولة..هذا ما كان يحاول أوستر أن يقوله لنا، فالكاتب الروائي وصل إلى طريق مغلق، ولم يعرف كيف يُخرج شخصيته منها، لذا ترك الكتابة، ثم أخرجنا من تلك الحكاية التي يكتبها إلى حياته الشخصية، علاقته مع زوجته جريس التي يحبها كثيرا، ومن ثم يكتشف حملها غير المخطط له، والحاجة إلى المال، فيبدأ بكتابة سيناريو فيلم مأخوذ من رواية "آلة الزمن"، فيأخذنا إلى عالم مختلف من أشكال الكتابة الخيالية، يدخلنا في أبسط الأفكار التي طرأت في ذهنه ليطور السيناريو بطريقة تناسب طريقة أفلام هوليود، لكن السيناريو الذي كتبه في زمن قياسي تم رفضه. يرينا أوستر هنا وجها آخر من حياة الكاتب الغارق في الديون، والذي يكون مستعدا لكتابة أي شيء ليواجه نفقات العيش المستمرة، وليحافظ على طفل قادم.
*****
التغيرات التي أصابت حياة الزوجة جريس، دفعت سدني لأن يفكر في أن الطفل الذي تحمل به ليس ابنا له، وإنما هو ابن صديقهما المشترك الروائي العجوز جون تروس، مما يعني وجود علاقة منحرفة، فقد تربت جريس منذ طفولتها الباكر بين يدي تروس صديق والدها. هذه الهواجس أعادت سدني أور إلى دفتره الأزرق مجددا، ولكن ليس لكي يُخرج نيك بوين من حبسه وعزلته، وإنما لكي يكتب عن العلاقة التي تقوم بين جريس الزوجة، وتروس الصديق، وسدني الزوج، في محاولة جديدة من الراوي للتنبؤ بما كان يجري في الخفاء، التنبؤ المبني على الوقائع التي حصلت أصلا في حياة الشخصيات الثلاث، كتب سدني الحكاية الثانية بعقلانية كبيرة، وبتعاطف هائل مع جريس، فحتى خيانتها مع الصديق، كانت مبررة ومقبولة لديه شريطة أن تبقى إلى جواره، إنه يعذر ضعفها، فهو أيضا كان ذات يوم ضعيفا أمام امرأة سمراء، وأقام علاقة جسدية معها، بالرغم من أنه كان يحب زوجته كثيرا، فهل كان يغفر لجريس خطاياها، لكي يخفف من شعوره بالندم إزاء تلك النزوة؟..ربما.
******
في مستوى آخر من الحكاية يظهر لنا فجأة ابن تروس جاكوب الذي يكره جريس، وقد بصق ذات يوم في وجهها، وسدني يكتب أن ذلك الحقد من قبل الابن مبرر في حالة وجود علاقة منحرفة بين والده وبين جريس. لذا ليس من الغريب أن ينتهي الأمر بجاكوب متعاطياً للمخدرات إلى أن يضرب جريس ضربا مبرحا في بطنها حتى تفقد الطفل نهائيا، المفارقة الغريبة أن جون تروس يموت بأزمة قلبية في الليلة نفسها الذي يموت فيه الجنين.

نحن القرّاء كنا نحاول أن نتنبأ أيضا بعدة أشياء، إلى جوار ما كان يستعرضه سيدني أور لنا، كالتنبؤ مثلا بمصير بطل الرواية نيك، وبرواية "ليلة التنبؤ" لـ سيلفا ماكسويل، التي تصفحنا بعضا منها، وما ان أغلقها نيك، حتى أغلقت تفاصيلها الأخرى في وجهنا، ولم نعرف ماذا حدث فيها بعد ذلك. كنا أيضا نحاول التنبؤ بعلاقة حلم جريس والباب الذي أغلق عليها وعلى سيدني، وعلاقة ذلك بـ نيك المحبوس في الرواية. نفكر بذلك الشاعر الذي كتب عن موت طفل غرقا، ومن ثم تموت ابنته غرقا، فيعتزل الكتابة نهائيا بالرغم من شهرته الكبيرة؛ لأنه آمن بالفكرة التي تقول "الكلمات تقتل"، حتى ان سدني عندما شاهد جريس توشك على الموت لم يقل هذه الكلمة لوالديها، خوفا من أن تقتلها الكلمة التي يتفوه بها. كانت أوراق الرواية تتسارع بين يدي، وأنا متفاجئة، نحن إلى الآن متعطشين لمعرفة تفاصيل كثيرة، ولكن الأمر حصل بهذه البساطة، عندما لم يجد سدني أور مخرجا لبطل روايته تخلص من الرواية بأن مزق أوراق الدفتر الأزرق، ليخبرنا أن ذلك أمر عادي يحدث مع الكثير من الكتاب، أعني عادة التمزيق، تخلص أيضا من النص الآخر الذي كتبه متنبئا فيه بعلاقة جريس بجون. إن ذلك يعيدنا إلى رواية "الصقر المالطي"، والبطل الذي أراد أن يبدأ حياة جديدة منفصلة تماما عن الماضي. وكأن كل واحد منّا يبقى في انتظار الإشارة التي تقول له: "قف هنا، وابدأ حياة أخرى".
******
استخدم أوستر بنية الراوي المتعدد المستويات، ضمن ما يمكن أن يُسمى لعبة الرواية داخل الرواية، وقد تأرجحت بين ما يُكتب، وبين ما يُعاش، وقدمت الرواية معادلاً موضوعياً لشبكة العلاقات الاجتماعية المعقدة المتحكمة في قدر الفرد التي تضعه تحت وطأة الخوف والسعي للكشف عما ينتظره في المستقبل، رواية بالرغم من أنها تتكئ على روح الكتابة البوليسية، إلا أنها حافلة بالدلالات والتساؤلات عن معنى الوجود، والإنسان
******
الأمر الغريب الذي يجمع بين الشخصيات هو السقوط والمرض، سيدني انهار فجأة وسقط على السلالم، وظل في المستشفى لأربعة أشهر، وكتب عن نيك بوين الذي كاد مزراب أن يسقط على رأسه ويموت، المأخوذة أصلا عن شخصية للروائي داشيل هامييت، الذي أيضا كادت أن تسقط على رأسه بقايا مواد بناء، وشخصية الصديق جون تروس المقعد بسبب جلطة دموية في ساقه، تتطور لاحقا إلى جلطة رئوية تؤدي إلى وفاته، في نفس اليوم الذي تسقط فيه جريس جنينها الذي كانت محتارة بين أمر بقائه وإجهاضه، وبعد أسبوعين نكتشف سقوط جاكوب قتيلا بعد أن أُطلقت عليه رصاصتان، فلهذا السقوط معنى مختلف في هذا العمل، إنه لا يحيلك دائما إلى حتفك وموتك كما حدث مع جاكوب وتروس، وإنما يسمح لك أن تقف قليلا، ومن ثم تختار حياة جديدة في مكان آخر كما هو سقوط سيدني، وسقوط جريس، وسقوط نيك، وبطل رواية الصقر المالطي.
******
لم يكتف أوستر باستخدام تقنية حديثة في وضع حكاية داخل حكاية، وإنما أضاف بعدا جديدا تمثل في الهوامش التي شرح فيها الراوي ما يدور في ذهنه من تداعيات عندما يكتب على لسان بطله كلمة أو يصفه وصفا، أشياء يعدل لاحقا عن إضافتها إلى المتن الروائي،ولكنه يتركها في الهامش، ليعطي القارئ مساحة أعرض للتعرف على الكيفية التي يشتغل عليها الروائي، وهذا يؤكد على أن الرواية في مستوى من مستوياتها كانت أشبه بدرس في كيفية كتابة رواية ممتعة من أول سطورها حتى الكلمة الأخيرة. والغريب أني قرأت مقالا كتبه الروائي المصري إبراهيم فرغلي قال فيه:"الهوامش في النسخة العربية قد تم ترحيلها إلى نهاية الكتاب، على نقيض النص الأصلي"، بالإضافة إلى مستوى الرقابة الذي تمّ ممارسته على النسخة المترجمة كان كبيرا، ولكن هذا كله لم يقلل من قيمة العمل، وقدرته على الوصول إلى المتلقي، بالرغم من أننا حرمنا من حقنا الطبيعي في قراءة العمل كاملا.
******
استنكر سيدني موقف الشاعر الفرنسي المشهور الذي اعتزل الكتابة بعد أن تنبأ في إحدى قصائده بموت طفلته غرقا، بينما رأى جون تروس أنه موقف شجاع ودلل على ذلك بقوله: "الكتابة ليست مجرد تسجيل لأحداث الماضي، بل جعل أشياء تحدث في المستقبل. الأفكار حقيقية، الكلمات حقيقية وكل ما هو بشري حقيقي. نحن نعيش في الحاضر، إلا أنّ المستقبل موجود داخلنا كل لحظة. أكثر من ذلك، إن الكلمات يمكنها أن تقتل، يمكنها أن تغير الواقع". الرواية تقول بأن الكلمات ليست شيئا عابرا، وإنما تحمل دائما قدرات هائلة من التنبؤ بما سيحدث، وإلا كيف كتب الشاعر الفرنسي عن حادثة غرق طفل، ومن ثم ماتت طفلته غرقا؟ وكيف استطاعت أن تحلم جريس حلما قريبا جدا بكل تفاصيله من قصة نيك بوين المحبوس، التي لم تقرأها بعد؟
****
يقول مترجم الرواية محمد هاشم عبد السلام في تقديم الترجمة: "إن السؤال عن موضوع الرواية هو سؤال لا يمكن الإجابة عنه، فهي ليست رواية اجتماعية أو سياسية، ومع ذلك فهي تجيب عن العديد من التساؤلات المعاصرة، عن حياة المواطن الأمريكي اليومية في مجتمع الرفاهية المزعوم، أو الوهم الأمريكي، وعن أن الحكومات -دائما- في حاجة إلى أعداء، حتى لو لم يكن لديك عدو حقيقي. اصنع واحدا وانشر الشائعة، هذا يخيف المواطنين. كما تجيب عن سؤال علاقة القيم بالحرية، وتسأل عن معنى الحب في خضم كل تلك الفوضى".

لكن أهم الأسئلة التي تقترحها الرواية برأيي الشخصي هو عن فعل الكتابة، عن سحرها، عن تعقدها، وصعوبتها لدى وصول الكاتب إلى طرق مسدودة. إن أوستر لا يدخلنا إلى الرواية وإنما المشاعر التي يعيشها الكاتب قبل وبعد وأثناء الكتابة، فالمسألة تبدأ عند الروائي سيدني أور من انتقاء الورق، ولون الكراس الأزرق الذي يفضله دائما على اللون البرتقالي، الوضعية التي يتخذها للجلوس، وكل الحيل الصغيرة التي يتحايل بها الكاتب عادة ليشعر أنها اللحظة المواتية للكتابة.ما أرادت الرواية أن تقوله لنا:هنالك دائما خيط رفيع بين ما يكتب الكاتب، وبين ما يعيش، وربما يتعدى الأمر ذلك إلى أن يتنبأ بما قد يحدث في المستقبل، وهي فكرة تحيل الكُتاب العاديين إلى شيء ما ربما أقرب إلى النبوة

هامش:

ولد بول أوستر في عام 1947 في نيوجرسي بالولايات المتحدة الأمريكية, وتخرج من جامعة كولومبيا, وعاش في مدينة نيويورك التي يعشقها جداً, وهو روائي وكاتب ومترجم وشاعر وكاتب مسرح وسيناريو تتميز أعماله بتعقيد شخصياتها وموضوعاتها الفلسفية التي تتناول البحث عن معنى الهوية والذات. يعد بول أوستر أحد أهم وأبرز كتاب أمريكا المعاصرين في مجال الرواية, وبخاصة الرواية البوليسية, أو رواية التحري على الرغم من وصف الكثير من النقاد لعالم أوستر الروائي, بأنه يتحدى محاولة الإحاطة والتصنيف لثرائه وتعدد أبعاده وفرادة عالمه وزخم العبقرية التي أبدعته.‏ من أهم رواياته : ثلاثية نيويورك: (مدينة الزجاج, الأشباح, الغرفة الموصدة) نقلها إلى العربية: كامل يوسف حسين, وصدرت عن دار الآداب البيروتية في عام 1993‏ . من أعماله الروائية الشهيرة (قصر القمر), (موسيقى الحظ), (زرقة في الوجه), (لولو فوق الجسر)),(دخان), (كتاب الأوهام) وأخيراً روايته (حماقات بروكلين).‏ فاز بجائزة إدجار لأحسن رواية عام 1986 عن الجزء الأول (مدينة الزجاج) من عمله ثلاثية نيويورك التي خلدت اسمه في عالم الأدب حتى يومنا هذا.


لقراءة نصّ الموضوع كاملا»

16 يناير 2011

قراءاتكم: رواية "لحظات لا غير" (قراءة: إيمان فضل)


(نُشرت هذه القراءة أولا في صحيفة سبلة عمان الإلكترونية بتاريخ 14 مايو 2010)

“لم يسبق أن كتبتم رسالة عشق
أو فكرتم في الانتحار
فكيف، إذن ، تجرؤون على قول أنكم عِشتم..”*(1)

قليلة هي تلك الروايات التي تناقش قوانين وضعها البشر وعمل بها كمسلمات، وقليلة هي الروايات التي تجذبك للتفكير في مدى صحة هذه القوانين وما إذا كنا بحاجة إلى إعادة النظر فيها، نحن الآن أمام رواية تناقش قضايا طبية وأخلاقية وإنسانية في ذات الوقت، فمن يستطيع أن يمنع الطبيب من أن يحب؟ من يستطيع أن يمنع قلبه من الحب؟ ولماذا نتبع النظام إذا كان يقتلنا حين جمعنا القدر أخيراً بنصفنا الآخر!

أصدر المركز الثقافي العربي الطبعة الثانية من رواية “لحظات لا غير” للدكتورة فاتحة مرشد، وتدور أحداث الرواية حول قصة حب طبيبة نفسية ومريضها، قد تكون القصة كلاسيكية للنظرة الأولى أو إذا حاولت تلخيصها بـ”قصة حب طبيبة لمريضها”، إلا أن المريض الذي يعاني من اكتئاب دفعه لمحاولة الانتحار لم يكن مريضاً عادياً! فقد كان “وحيد” شاعراً تملّكه الشعر وأستاذاً جامعياً، أما هي الدكتورة فقد هجرت الكتابة حين اختارت الطب كتخصص، لتظهر لنا الرواية بحوار شعري راقي بينهما في جلسات العلاج النفسي، فهو حين تسأله عن مدى إلمامه بأسباب تواجده في العيادة أثناء زيارته الأولى لا يجيبها كمريض مكتئب عادي إنما يقول:”أنا هنا بحثاً عني.. أليس هذا وكر التائهين؟”*.

في وكر التائهين-العيادة النفسية- تدور أحداث الفصل الأول من الرواية التي تحاول فيها الدكتورة أسماء معرفة أسباب حالة الاكتئاب التي يعيشها، فيحكي فيها وحيد علاقته بوالديه ومشاعره المتناقضة تصل للكره لأبيه الذي تسبب بوفاة أمه بحادث سير، وعلى الطرف الآخر نجد الدكتورة أسماء تشتاق لوالدها الذي توفي منذ سنوات، لم تكتفي الدكتورة بجلسات العلاج النفسي إلا أنها راحت تبحث في إصداراته الشعرية، فتظهر أولى علامات الإعجاب حين تصف كلماته قائلة..”كلماته قطرات عطر معتق .. تتسرب عبر المسام.. تستفز الحواس… لا تدع لك حيزاً للهروب منها.. تلبسك، تضمك، تؤلمك، تبكيك.. تلقيك أرضا عند قدميها..”*. يستمر وحيد في جلسات العلاج فيحكي تجربة الأولى في الحب بباريس -حيث كان يدرس- إذ يقع في حب فتاة باريسية ترفضه لأنها تحب صديقتها! وتجد أسماء في دواوينه ما يعكس هذا التجربة فوجدته يكتب عنها قائلاً:
“هزَمَتهُ الأنوثة
يوم تورّط
في امرأة
تحبّ النساء.”*

لم تتردد فاتحة مرشد في كتابة قصائد شعر جميلة نسبتها لوحيد في الرواية وقد جاءت تلك القصائد لتلبي حاجة الرواية لشعر الشاعر الذي يعالج من الاكتئاب، ويغلب على ظني أن اكتئاب وحيد لم يكن إلا نتيجة غياب شيطان الشعر عنه، إذا يتعافى تقريباً حين تفوح رائحة حبه للدكتورة أسماء، فتسعى الدكتورة للتصالح مع جسدها فإجراء جراحة تجمليه ترميمه للثدي رفضتها لسنوات بعد إثر إصابتها بسرطان الثدي.

تأتي الرواية وكأنها “رواية استعادة الحياة” – على حد تعبير الغلاف الخلفي للرواية-، فحين يستعيد وحيد حبه للحياة بحب الدكتورة ويكتب ديوانه الجديد، تستعيد الدكتورة ثقتها في جسدها وأنوثتها بعد العملية التجميلية ستعيد هوايتها القديمة وتكتب، تقوم ثائرة القوانين البشرية التي قررت أن هكذا حب لا يمكن أن يكتمل إلا بمجموعة من التنازلات، ببراعة ترسم الكاتبة أحداث الرواية والصراع الذي يمر به وحيد وأسماء للحفاظ على هذا الحب الذي أعاد لهما الحياة، لكأن الراوية فاتحة مرشد تقول للجميع أن “ثمة تجارب في الحياة لا يمكن أن نخرج منها سالمين”*.

(1) عزّت سرابيج
*الاقتباسات من رواية لحظات لا غير لـ فاتحة مرشيد، الطبعة الثانية عن المركز الثقافي العربي



لقراءة نصّ الموضوع كاملا»

03 يناير 2011

قراءاتكم: كتاب "البط الدميم يذهب إلى العمل" (قراءة: إيمان فضل)


البط الدميم يذهب إلى العمل!

هذا الكتاب الفريد من نوعه يجمع بين قصص الأطفال الخيالية وبين علم الإدارة، ويقدم لنا كتاباً يصلح لكل أفراد العائلة، الغلاف الطريف قد يدفع الأطفال حولك للسؤال عن الكتاب، فلا تقلق فستجد ست قصص أطفال موزعة في ستة أقسام من الكتاب، يمكنك بكل بساطة أن تقرأ إحدى هذه القصص للأطفال، وما أن تصل إلى آخر صفحات القصة حتى تبدأ رحلتك في عالم الإدارة وترى كيف تنطبق هذه القصة على حياتك العملية!

يقدم الكتاب مجموعة من قصص الأطفال للكاتب الدنماركي هانز كريستيان أندرسون، إذ تأتي القصص كمقدمات للفصول، يستطيع القارئ اختيار قراءة القصة كاملة أو ملخصها ثم تقدم له ميتي نورجارد تطبيقات هذا القصة بمجال العمل، رغم إشارة ميتي أنها قامت ببعض التعديلات البسيطة على القصص إلا أنها لم تتعدى مسألة تصحيح ترجمات القصص السابقة لأندرسون التي يعرفها الكبار والصغار.

من القصص التي يحتويها الكتاب قصة "ملابس الإمبراطور" المغرور الذي لم يكن يهمه سوى مظهره الخارجي، شاركت حاشيته كلها في إهالته بكلمات المديح، وموافقته على كل ما يقدم عليه، كذلك كان شعبه المسالم الطيب يحيه ولا يتوقف عن مدح أناقته، إلى أن يقرر نصابان النصب عليه بحياكة قماش عجيب لا يراه إلا الأذكياء والأكفاء بمناصبهم! تضرب كلمة مناصب على الوتر الحساس لكل موظف شَقى حتى يصل إلى منصبه، لكن ما يفقده بعد ذلك المنصب هو السعادة والراحة لأنه –وكما نلمس من القصة- أصبح يخاف المعارضة ويسعى للتوافق، خاصة التوافق من هم أعلى منه مرتبة فيؤثر السلامة، تقول ميتي "كثيراً ما تكون الحاجة المادية سبب هذا الخوف، فعندما تثقلنا الديون وتقل الفرص بسوق العمل، نشعر بالضعف ونؤثر السلامة"*، هذه الإستراتيجية تبعدنا عن تهمة "الغباء" –إذا اعترفنا بأننا لا نرى القماش، أي عبرنا عن أفكارنا- كما تؤكد أننا "أكفاء بالمناصب" لتشعرنا ببعض الراحة المزيفة.

أهم درس تقدمة "ملابس الأمبراطور" هو "ضرورة أن ينظر كل واحد في أجندته ليعلم هل هو المتحكم فيها أم غيره، فالحرص على التوافق يجعلنا نعيش طبقاً لأجندة أناس آخرين"*، وهنا تكمن خطورة بالغة، إذ يصبح تصبح حياة المرء محاولة لإرضاء توقعات آخرين، فنقد شيء فشيء الملامح الشخصية للفرد ونفقد لمساته الخاصة وقد يفقد معتقداته التي يؤمن بها ، يقوده إلغاء صوته الخاص وشخصيته بشكل تدريجي إلى يصاب بالإحباط الشديد بل بالخيانة إذا لم ينل الترقية التي توقعها أو لم يوافق على مشروعة المقترح لأسباب اقتصادية أو غيرها! فيتكشف أنه أضاع سنوات وسنوات من عمره وفقد نفسه، تقول ميتي"الأفضل من ذلك كله أن نستعيد أجندتنا الشخصية، أن نختار العمل الذي نعشق، العمل الذي نجيده أكثر من غيرنا، فنتيجة ذلك أن المرء يشعر أنه مسؤول بالفعل لا بالوكالة. والأهم من ذلك كله، أننا نرتقي إلى مستوى عالمي، ونجني من ذلك متعة كبيرة"*.

هكذا قدم الكتاب قصص أندرسون وتطبيقات الحكمة التي يطرحها في بيئة العمل، يبحر بك الكتاب إلى أفكار مواضيع عديدة لم تخطر ببالنا في طفولتنا أثناء مشاهدة هذه القصص على التلفاز، منها تشبيه إحساس الموظف الذي يعاني من التمييز ضده لأسبب عرقية أو دينية أو جنسية بقصة البط الدميم، ذلك البط الذي عانى الكثير بسبب تمييز وتلفتنا الكاتبة بتطبيق قصته إلى خطوة التمادي في النقد الذاتي ضرورة الارتقاء بنظرتنا إلى أنفسنا.

كتاب "البط الدميم يذهب إلى العمل" الصادر عن مكتبة كعيبان يحتوي على ست قصص تجمع بين التحذير والتحفيز للموظف قدمها الكتاب مع ست تطبيقات خاصة بكل قصة، عرضت جميعها بأسلوب شيق ممتع، وجمعت بين ما توصل إليه علم الإدارة الحديث مع قصص أندرسون للأطفال، مثيرة بذلك خيال القارئ موقظة حنين بداخله إلى أهدافه الحقيقية فـ"من المحزن أن بعض الناس يضحون بالأشياء التي يحبونها مقابل أشياء بدت لهم ذات قيمة في وقتها وما يلبثون أن يكتشفوا أنهم أجروا صفقة خاسرة*" فالساعي وراء حلمه سيحققه ويتعلم منه، وجدت في الكتاب مجموعة أفكار تستحق المناقشة في بيئة العمل وحتى في المنزل طرحت بأسلوب سلسل سهلة الاستفادة منه.

أخيراً اخترت لكم مجموعة اقتباسات من نقاط تستحق التفكير وقد جاء في خاتمة كله فصل..

• ما مشروعك الإبداعي؟ ما الأشياء التي توسع حدودك وتنميك؟

• متى كان آخر خطأ ارتكبته؟ وهل كان همك تعديل صورتك أمام نفسك؟

• ما الذي يبعثر طاقتك ويشتت انتباهك عن مصر قوتك، وما الذي ينبغي أن تقول له "لا"؟


*الاقتباسات عن كتاب البط الدميم يذهب إلى العمل لـ ميتي نورجرد، ترجمة د.شكري مجاهد

إيمان فضل

2010-04-20


ملحوظة: صورة الغلاف مأخوذة من موقع "مجموعة تواق للقراءة"





لقراءة نصّ الموضوع كاملا»

21 ديسمبر 2010

قراءاتكم: رواية "العصفور الأول" (قراءة: إيمان فضل)


(نُشر هذا المقال في مجلة الفلق الإلكترونية)

“كيف أكتب كلماتٍ كالموسيقى، كأصوات العصافير، أو حتى كنقيق الضفادع؟” *

هكذا تبدأ أزهار أحمد روايتها “العصفور الأول” الصادرة عن دار الجمل بألمانيا، وهي الرواية التي غيرت نظرتي للروايات العمانية، و يمكنني القول بأنها أفضل رواية عُمانية قرأتها إلى الآن، فالحد الذي تملكتني به الرواية لم يصادفني في رواية عمانية سبقتها! تقدم الكاتبة فكرة فريدة من نوعها قلما يصادفك كتاب يحرضك ويحدثك على أن “لا تتجاهل الصوت الذي ينز بداخلك”*!

دعوني أسر لكم بسر صغير، لطالما أحببت العصافير وتركت لها فتات الخبز والحبوب بنافذة المجلس ثم جلست أراقبها، كان العصفور الأول الذي أمسكه بين يدي يرتعش حتى أطلقته! ذكرني عصفور/رواية أزهار أحمد بعصفوري الأول، قلقي حين أمسكت أول عصفور بين يدي في طفولتي كان كقلق “مقرن” وهو يحاول الإمساك بعصفوره “الرواية الأولى”، أجادت الكاتبة نقل هذا القلق الذي يسكن الروح، فهو حينا يملؤها حد الغرق، وحيناً بعدها بفلسفات لا يمكن للكاتب أن يتجاهلها فتجده يصرح قائلاً .. “أشعر برغبة في الصراخ وكأنني لم أعش حياتي من قبل، كأنني شخص آخر، أفكاري مضطربة متضاربة. لِمَ يجب أن أكتب، هل لمجرد أنني أنزف طاقة لا أعرفها، يكفي سبباً لامتهان الكتابة؟ هل الكتابة امتهان؟ وهل يستحق البشر فعلاً أن أنزف لأجلهم، وأخاطر بنفسي، ومن ثم يرمونني بالحجارة؟ مَن سيقرأ لي أنا الناهض فجأة من لا شيء؟”*


تأخذنا أزهار في رحلة الكاتب الذي يريد أن يكتب الموسيقى فيبحث عن الألم الحقيقي للكتابة، إذ يقرر مقرن أن يعيش الألم ليكتب النور لهذا العالم-بتحريض من صديقه الذي يتحدث في فصل الموسيقى-، وبعد صراع داخلي وفكري يقرر زيارة العالم ويبدأ رحلة في الهند، فترافقه المرشدة السياحية أنيتا في رحلة يطلب فيها الغرق وينشد فيها الحزن والفرح معاً، ليجد الفقر في أبشع صورة بـ فيروز أباد مدينة الزجاج المنسية ومدينة الطفولة المفقودة، “كان الجوع يتدلى من عيون الأطفال ومن ابتساماتهم الجافة، كانوا أضعف من أن يلعبوا أو يقفزوا، وكلما مررت بإنسان هُيئَ لي أنه ظلٌّ قابضٌ على روحه”.


أنيتا تحمل مقرن لما هو أبعد من جولة سياحية فتسمعه يقول بعد أيام بداخله عنها “إنها امرأة مثالية تماماً للحب والكتابة”، وتصبح أسنانها البيضاء غراماً ينسيه أوجاع العالم ويدخله في وجع الحب، فكيف لكاتب أن يكتب دون أن يحب؟ تعطي أزهار لأنيتا القلم لتكتب هي أيضاً وتحكي لنا قصتها، قصة تصدم القارئ وتدهشه ؛ فالهند بلاد العجائب تحمل بجوفها ملايين القصص.

رغم كل ما تحمله الرواية من وجع الإنسانية في نصفها الأول إلا أن فكرة “القتل لمجرد الرغبة في القتل” تستحوذ على مقرن، فكيف يتخلص مقرن من هذه الفكرة؟ وكيف تتعامل شخصية مبدعة تعيش اللحظة بكل جنونها وتعلقها مع فكرة القتل؟ وإلى أين يصل هذا الكاتب الشاب الذي راح يبحث في 175 صفحة عن النور الذي سيضيء العالم؟ لم تجب أزهار عن هذه التساؤلات فقط بل قدمت للكاتبة رحلة مثيرة للكتابة بكل ما في الإبداع من وجع ولذة، بكاء وحب، دم ودموع.

المؤسف أنّ الرواية يمكن تغييرها بسهولة لتصبح رواية من بلد آخر، أعني أن الملامح العُمانية لشخصية الفرد والمكان لم تكن محفوره بذاك العمق، فالجامعة يمكنها أن تكون جامعة في الكويت أو سوريا، والعاصمة قد تكون الرياض أو بيروت، تمنيت لو أشعر بحميمية وأهمية المكان/العُماني، بعكس ما قدمته الكاتبة من صور للهند تجعلك تدرك يقينا أنها الهند لا بلد سواها! ليس هذا انتقاصاً من قيمة الرواية –في رأيي كقارئ- لكنها أمنيات لكتبات قادمة بإذن الله

*أزهار أحمد، رواية “العصفور الأول”


بقلم: إيمان فضل





لقراءة نصّ الموضوع كاملا»

06 ديسمبر 2010

قراءاتكم: رواية "طيور الحذر" (قراءة: نسيبة المكتومي)



كتاب طيور الحذر –الملهاه الفلسطينة لإبراهيم نصر الله

كتاب أكثر من رائع يروي على شكل متحدث حكاية طفل صغير ولد في كبد النكبه وسط الشتات ولكن لا يعطي لذلك كبير أهمية ..فبأسلوب أكثر من رائع يتحدث الصغير عن ما كان يدور في رأسه منذ أن كان في رحم أمه ..ثم تتعمق الاحداث أكثر لتنتقل إلى التحدث عن طيور الحذر حيث كان الصغير يصطاد العصافير ويعود ليطلق سراحها لتتعلم الحذر .
لن تستغرق منك قراءة الرواية سوى يومين بأكثر تقدير بسبب اللحمة بين الاحداث واللغة الرائعة التي كتبت بها
"اقترب الأستاذ خالد مربي الصف, من الصغير و قال : أريدك بعد الحصة الأخيرة."
نظر التلاميذ في وجوه بعضهم, أدركوا: الصغير في ورطة, لم يغادروا ساحة المدرسة عند انتهاء الدوام في انتظار النتائج.


سمعت أنك شاطر في الصيد. قال الأستاذ خالد.
هز الصغير رأسه موافقا,لكنه لم يكن مطمئنا حتى الان.
أصطادها و أطيرها: قال بوجل.
لماذا تصطادها ما دمت تطيرها؟
لأعلمها الحذر.
تعلمها الحذر؟؟
الحذر حتى تصبح حذريّة

لم يفهم الأستاذ ما قاله التلميذ , تذكر أولاد الصف الإثنين و خمسين.

لماذا لا تساعدني على تعليم الأولاد ما دمت قادرا على تعليم العصافير؟؟
هذه مسألة أخرى .قال الصغير.
كيف؟؟
لأن العصافير أشطر من الأولاد.
أشطر من الأولاد ؟؟!
كثيرا
و كيف عرفت؟
العصفور يتعلم من إنطباق الفخ على رقبته من المرة الاولى, أو الثانية, لكن الأولاد لا يتعلمون بعد الضرب بالخيزران على أيديهم وأرجلهم, ولا يتعلمون من الضرب على رقابهم ووجوههم.

و العصافير؟؟
العصافير تتعلم أستاذ."

نسيبة المكتومية
صحافة-كلية العلوم التطبيقية بنزوى



لقراءة نصّ الموضوع كاملا»

30 نوفمبر 2010

قراءاتكم: رواية "رأس الحسين" لعبدالله خليفة (قراءة: نازك العصفور)


رواية للكاتب البحريني عبدالله خليفه ، تثير تساؤلات ذات شجون ، وتطوف به كروح حائرة بين كربلاء ودمشق ، وتتساءل بينك وبين نفسك هل لرأس شخص مثل هذه القدره على دك عرش الظالمين ، ولكنه ليس أي رأس ، انه رأس سيد شباب اهل الجنة الذي لثمه رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ، ولم يتورع يزيد بن معاوية ان ينكته في مجلسه باستهتار عجيب .
رأس علا على الرمح شامخا ... ليدك عرش يزيد .

أحداث القصه التي دارت حول حمزة لفت بصورة ضبابية بالنسيبة لي حول شخصية يزيد وابنه معاويه وزينب من خلال الشخصيه المحورية حمزه .

بالنسبة لي - وانا لست سوى قارئه بسيطه -لم تتقارب مع الشخصيات الاساسيه حيث حافظ الكاتب على ان يرسل اشعة وخيوطا كخيوط العنكبوت ضبابية حول الجميع .

رواية جميلة .. أثارت شجونا ولوعة ، وتساؤلات : أنى لحاكم ان يسكر طوال الليل ، وينادم القرود والغواني والغلمان ان يقود امة اسلامية في عهد قريب جدا من عهد رسول الله صلى الله عليه واله وسلم .

تحية للكاتب المبدع الذي استطاع ان يمضي بنا وسط الشوك وقادنا الى نهاية اللانهاية>



لقراءة نصّ الموضوع كاملا»

28 نوفمبر 2010

قراءاتكم: رواية "برهان العسل" (قراءة: حاتم سالم)


(نُشرت هذه القراءة أولا في موقع الحوار المتمدن، على هذا الرابط)

برهان العسل : التابو المباح

قراءة: حاتم سالم عبدالله


من بين المحرمات الثلاثة : السياسة والدين والجنس , قررت سلوى النعيمي أن تسقط الأخير وتتحدث عن العسل والعُسيلة !. اختارت المُفكر كي يكون شريكا يغوص في كهوفها السرية المتحرقة لنفس رجولي. لم يكن هذا المُفكر غريما ولا عشيقا لها , انما أداة جنسية تساعدها على أن تقذف اللذة التي امتهنت كبتها لسنوات.

" هنالك من يستحضر الأرواح , أنا استحضر الاجساد. لا أعرف روحي ولا أرواح الآخرين , أعرف جسدي وأجسادهم "

ورغم انها استطاعت ان تطلق العنان لفضولها الغريزي , الا انها لم تستطع ان تتملص من سطوة التابو والممنوع , فالمفكر كان سريا , كما هو حال قراءاتها السرية في كتب التراث العربي المعنية بالجنس. وان اقتراب طالب من مكتبها القابع في مكتبة الجامعة , حيث تعمل , يستفز يديها تلقائيا لتخبئ العناوين المشبوهة للسيوطي والنفراوي تحت عناوين أخرى , وما ان يذهب حتى تلوذ لاكمال قراءتها.

" كيف يمكنني ألا اكون بنت هذا التراث ؟ "

برهان العسل , عمل ايروتيكي بامتياز , غير ان هذا الايروتيك يظهر بين صفحاتها في صورة ندوة عن الأدب الايروتيكي. تلك الندوة التي دُعيت للمشاركة بها من قبل مديرها بالمكتبة على خلفية معرض للكتب. أوجدت هذه الندوة مع قليل من التردد شعورا لدى رفيقة المُفكر برغبة في اشعال مصباح صغير يكشف عن قليل من شغفها.

" عرفت أن علي أن اعلن حياتي الموازية. أن اخرج الى النور كومة أسراري الصغيرة. أن امزق الستار الأخير عن المشهد الذي جاهدت طويلا لاخفائه "

وفي حمام بلدي , تعرف كم هي الشرقية معتادة على الصمت حتى عندما تمارس فلكلورا أكثر تحللا من القماش في مدينة مائية عامة كهذا الحمام , انه فلكلور صامت. تخرج من هذه المدينة ورأسها يمرر صورا عن ذلك الخياط الذي كان يتمادى في قياساته لجسدها الصغير آنذاك , يمرر قصصا من عن جارتهم الشابة التي اختفت وتزوجت من شخص يصغرها بسنوات , وظلت أسيرة سطوة اللسان الاجتماعي .

"كنت صغيرة عندما جاء عمو لزيارتنا. كانت الحكايات تدور امامي ولم اكن افهم الكثير. أعرف فقط ان ابي بعد مناقشة طويلة مع أمي وراء باب غرفتهما المغلق , اقنع القريب باختصار زيارته والعودة الى زوجته واولاده في المدينه البعيدة."

وتستمر الحكايا , ولكن هذه المرة عن خط الرجعة , الذي دأبت ميساء على الحفاظ عليه وهي تنام مع حبيبها. خوفا من مأساة تطيح بشرف أهلها وبيتها في ليلة عرسها من ذلك المهندس ثقيل الدم. وتارة اخرى عن الاختلافات الاجتماعية والعرقية التي تجمع بين جسدين وتارة أخرى عن سخافات رجل يجازف بخلع كل ملابسه في شقة صديقته ولا يحظى بنظرة منها !

"تروي سليمى , كان لبنانيا مثلي , طويلا جميلا , ابيضاني اللون , مع شعر اسود. كل يوم مع بنت , يغار منه الرجال وتعجب منه النساء. يحضر دكتوراه في السوربون. لم يحصل عليها طبعا. هذا يعني انه لم يكن يفعل شيئا , شبه متفرغ لفتوحاته الجنسية"

تُعرج برهان العسل , على التناقض بين التشدد القانوني في البيئات العربية والاسلامية في قضايا الزنا والاختلاء وبين الحرص الاسلامي الذي يطبق عقوبة الزنا في حالات ضيقة جدا وصعبة الشروط. ولعل قصة زوج المدلكة كانت فاتحا للحوار حول موضوع الزنا وتعامل الدولة معه وفاتحا أيضا لموضوع الخيانة الزوجية. وقصة مونيك الفرنسية زبونة المدلكة ليست ببعيد !. فهل حقا ان الرجال لا أمان لهم ؟!

يعود المُفكر ثانية لقلب الفلاش باك , ويعيد إليها ذكرى كل نزواتها الغائبة , تلك النزوات التي فتحت للشعر والقصيد مدخلا في قلبها , تلك النزوات التي علمتها أن العروبة مع شئ من الحرية قد يرضي غرور رجل شرقي فحل كالمُفكر. تضع قلمها جانبا وهي تعمل على فصل من دراستها للندوة مصدومة من هوس العربي بتداول المقويات الجنسية !

وبعيدا عن الحبوب الزرقاء والمقويات الجنسية , يستفزها الحاسوب ( المخصي) الذي يرفض كل الكلمات العربية البذيئة ويقبل بمقابلها الانجليزي أو الفرنسي , وكأنما تشير الرواية إلى الحالة نفسها التي تجعل من الأكاديمي ورجل المجتمع البسيط أن يستبدل الاصطلاح الجنسي العربي بالأجنبي , وكأنه أكثر ادبا !

" حاسوب عذراء , حاسوب مخصي على الأخص "

ماذا ينقصنا تصرخ بأعلى صوتها وهي تتصفح الاستشارات الطبية الجنسية لأحد المواقع العربية. جهل منقطع النظير حتى بالجانب التشريح العضوي للأعضاء التناسلية. ترجئ السبب لانعدام التربية الجنسية في المجتمعات العربية وتزداد تعجبا وهي تقرأ في احد كتب التراث العربي , كيف تعلم الأم ابنها بأسرار المرأة على السرير !

ذهب المفكر , لم يعد هناك من يتذوق العسل , تلاشت ملامحه المثولوجية , لم يكن أكثر من خدعة سينمائية ليخرجها هي من طور حياتها السرية إلى العلن الفاضح !


لقراءة نصّ الموضوع كاملا»

22 نوفمبر 2010

قراءاتكم: العدد التاسع من نشرة "اقرأ"


الأعزاء أصدقاء المدوّنة

إليكم العدد التاسع من نشرة "اقرأ" التي تصدرها "مجموعة مركز المعلومات" بكلية التجارة والاقتصاد في جامعة السلطان قابوس، وهي نشرة دورية عبارة عن صفحة واحدة تحتوي على قراءة لكتاب، ويتم توزيعها في مرافق الجامعة.

يمكنكم الاطلاع على النشرة بالضغط على الصورة المقابلة أو تحميلها.





لقراءة نصّ الموضوع كاملا»