04 ديسمبر 2011

مقالات: عن القراءة (إبراهيم أصلان)


(المصدر: جريدة اليوم السابع، 18 نوفمبر 2011)

عن القراءة

إبراهيم أصلان


قد تكون مكتبتك، أو أى مكتبة أخرى، كبيرة وحافلة، إلا أنها متى سادتها الفوضى لا تكون نافعة، مثللها مثل مكتبة صغيرة منظمة.

وبالمثل، فإن رأس الإنسان قد يحوى رصيدًا ضخمًا من المعارف، إلا أن هذا الرصيد ما لم يكن صاحبه قد تناوله بالتفكير يصبح أقل قيمة من حصيلة أصغر تكون قد خضعت للتفكير والتدبر، فالقراءة والتعلم يستطيع أى إنسان أن يزاولهما بمحض رغبته، أما الفكر فلا. الفكر يجب أن يقدح كما تقدح النار فى تيار من الهواء.

هكذا قال السيد «شوبنهاور 1788 / 1860»، وهو رأى:
«أن أسلم الطرق لافتقاد كل فكر أصيل نابع من الذهن، هو أن يتناول الإنسان كتابًا كلما وجد نفسه بلا شىء يفعله، لأن هذا الضرب من الإدمان الذهنى هو السبب فى أن الكثيرين يصبحون أكثر سخفًا مما جبلوا عليه».

ويستشهد بما قال به «الكسندر بوب 1688 / 1744» فى «ملحمة الغباء»:
«وأهل العلم هم أولئك الذين أدمنوا القراءة من صفحات الكتب، أما أهل الفكر والنبوغ فهم أولئك الذين اتجهوا رأسًا إلى كتاب الطبيعة وهم الذين أضاءوا الطريق أمام الإنسانية وساروا بها قدمًا فى طريق التقدم والرقى».

فالقراءة لا تزيد على كونها بديلاً عن الفكر الأصيل النابع من الذهن، وما هذا الحشد من الكتب إلا كثرة من الدروب التى تنسرب أمامنا وتتوه فيها خطانا. أما ذلك الذى يفكر لنفسه فكرًا تلقائيّا طليقًا واضح المعالم، فهو وحده الذى يحوز البوصلة السحرية التى يمكن أن تهديه سواء السبيل.

فالإنسان ينبغى له ألا يقرأ إلا عندما تنضب أفكاره ويصيبها الأسن، وهو ما قد يحدث حتى لأفضل العقول. ومتى تناول الإنسان كتب الغير لا لشىء إلا لتشتيت أفكاره النابعة من ذات نفسه، فإنه يكون قد انساق لخطيئة ضد الروح، ويكون أشبه بذلك بالذى يهرب من روعة الطبيعة الحية ليحملق فى تحف من النباتات الجافة الميتة.

وقد يصل المرء بعد عناء إلى جانب من حقيقة أو وجه لحكمة بعد أن يكون قد تناولها بفكره وبناها فكرة إثر فكرة، بينما يكون مستطيعاً أن يجدها كاملة فى متناول اليد فى هذا الكتاب أو ذاك، ويوفر بذلك على نفسه كثيرًا من العناء، إلا أن الأفضل له أن يتوصل إلى تلك الحقيقة بالتفكير فيها لنفسه، لأن المعرفة لا تصبح جزءًا عضويّا حيّا فى نسق تفكيرنا إلا إذا اكتسبناها بتلك الطريقة. والرجل فى هذا السياق يتذكر النصح الذى أبداه كبير آخر هو «جوته 1747 / 1832» عندما قال بأن علينا أن: «نكسب ميراثنا بأنفسنا، حتى يصبح ملكاً لنا».

ولكن، حتى صاحب أعظم العقول يعجز عن التفكير لنفسه فى كل وقت، وهنا يحسن أن يقضى وقته فى الاطلاع، إلا أنه لا يجب أن يفرط فى القراءة حتى لا يعود ذهنه على البديل ويألف السير على الدرب المطروق ويغترب عن ذاته. يجب الاحتراز من انسحاب البصر عن عالم الواقع والغرق فى عالم الكتب، لأن الدافع والمزاج اللذين يحفزان المرء إلى مزاولة الفكر لنفسه بنفسه، يأتيان من عالم الواقع هذا أكثر مما ينبعان من عالم الكتب، فالحياة الواقعية التى نراها بعينينا هى الموضوع الطبيعى للفكر، وهى التى تستطيع بما لها من قوة، من حيث إنها العنصر الأولى للوجود، أن توقظ العقل المفكر وتؤثر فيه أكثر من أى مؤثر آخر.

فالقراءة إن هى إلا التفكير برأس إنسان آخر لا برؤوسنا نحن، أما الذى يفكر لنفسه، فإنه يصوغ أفكاره أولاً، ثم يجد مصادرها فى الكتب بعد ذلك.
لنشر الموضوع على الفيس بوك والتويتر Twitter Facebook

0 comments:

إرسال تعليق