26 يوليو 2010

استطلاع قرائي: ما قاله الكتّاب عن حميرنا التي لا تحمل أسفارا



(نُشر هذا الاستطلاع في ملحق شرفات بجريدة عمان بتاريخ 25 يوليو 2010)

ما قاله الكتاب عن حميرنا التي لا تحمل أسفارا
استطلعت الآراء: هدى الجهورية

(لويس سوريانو) ليس لاعبًا في المنتخب البرازيلي، رغم أنّ اسمه يؤهله لذلك. هو من أبناء أمريكا الجنوبية أيضًا، حيث كرة القدم حياة وهواء ورسالة، بيد أنّ لويس سوريانو له ولع خاصٌ وفضاء يتنفس فيه ورسالة يؤديها، تركت أثرًا لا يقل ربما عن أثر المنتخب البرازيلي.
كان سوريانو صبيًا يعيش في قرية (لا غلوريا) في أرياف كولومبيا، لم يجد متنفسًا للترفيه إلا في القراءة، مع الكتب التي كان يحصل عليها في المدرسة. أنهى دراسته ثم حصل على شهادة في الأدب الأسباني، وعمل مدرسًا في مدرسةٍ ابتدائية في قريته.
وفي سنوات عمله في المدرسة اكتشف سوريانو أثر القراءة على طلابه، وفي الوقت نفسه اكتشف الصعوبات التي يعاني منها الكثير من الطلاب مع واجباتهم الدراسية لأنهم لا يملكون كتبًا تساعدهم على تطوير مهاراتهم القرائية وإكمال فروضهم. وهكذا قرر سوريانو أن يأخذ على عاتقه نشر القراءة بين أطفال القرى مهما كان الثمن. وفعلا بدأ مشروعه النبيل بطريقةٍ بسيطة جدًا، عميقة الأثر في الوقت نفسه. ما فعله سوريانو هو أنه أنشأ مكتبة عامة بنفسه. هذه المكتبة تتكون من سوريانو، ومجموعة من الكتب، وحمارين!
منذ عشر سنوات حتى الآن، في نهاية كل أسبوع، يختار سوريانو مجموعة من الكتب ويحملها وينتقل بها مع حماريه (سمّاهما ألفا و بيتو)، ويطوف على القرى بين الهضاب والوديان ليصل إلى الأطفال الذين ينتظرونه هناك كي يوزّع عليهم من كتبه، ويقرأ لهم منها، ويساعدهم في دروسهم.
يقول لويس سوريانو أنه بدأ بمجموعة من 70 كتابًا فقط، أما الآن فلديه حوالي 4800 كتاب جمعها بنفسه ومن خلال التبرعات التي انهالت عليه بعدما أُذيع برنامج عن مبادرته في الإذاعة.

طرح أحمد المعيني هذا الموضوع في مدونته "أكثر من حياة"، فنقلنا الحكاية إلى عدد من الكتاب لنعرف رأيهم فيها، لعلنا نكشف عن مبادرات مشابهة أو وجهات نظر في الموضوع، فكان أن وصلتنا إجابات مختصرة تدور في فلك موضوع الاستطلاع، وفي الوقت نفسه وصلتنا شهادات موسعة آثرنا أن ندرجها بشكل مستقل، وتابع للموضوع.

روح المبادرة أم الوعي
يبدو أن القاص سعيد الحاتمي كان محبطا وهو يخبرنا: "نحن أمة لا تقرأ، هذا أمر مفروغ منه منذ أزل". ويتابع بخيبة أمل: "ونحن أمة تعرف أخطاءها وتلوكها ليل نهار ولكننا لا نبادر إلى الابتكار في وضع الحلول. فقط نحن مبدعون في الشكوى والتذمر"، بينما تبدو القاصة بشرى خلفان أكثر تفاؤلا:"إن ما قام به سنيور سوريانو، هو ما يسمى بروح المبادرة، هذه الروح التي نفتقدها في الغالب، ونتكيء في غيابها على ما قد تجود به المؤسسات". وترى القاصة رحمة المغيزوية أن القراءة تنتقل من طور الذاتية إلى طور الاندماج مع فكر الآخر الذي قد يوافق أو يخالف في الرأي، "القراءة فعل خياري بالدرجة الأولى، لا تعتمد على ما يفعله الآخرون لنا من أجل تجميل المعنى الحقيقي لها.. إنها سلوك نابع من رغبة ملحة لا تقاوم، تنمو في داخلنا بهدوء كما ينمو الغصن الصغير". تشبه المغيزوية القراءة بالإناء الذي يحوي مشروبا غير مكتشف الطعم والنفع وأن الناس يمرون به ومن حوله فمنهم من يمعن في الشرب، ومنهم من يأخذ غرفة، ومنهم من يراه شرابا يحرم القرب منه. لا يتفاجأ الشاعر هلال الحجري من حكاية لويس سوريانو و مكتبته المتنقلة على حمارين لأنها قصة مشهورة وينبغي أن تتعظ منها الشعوب العربية، "عليها أن تعي أهمية القراءة، وتقدر دورها في تحرير العقول من عبودية الجهل والنهوض بها إلى عالم الحرية و الإبداع". يختلف الشاعر خميس بن قلم مع مجمل ما جاء من آراء حيث يرى أن "ما ينقصنا في بلدنا عمان ليس المادة القرائية فالكتب يمكن توفيرها حتى في أبعد قرية في الجبل الأبيض، فضلا عما تتيحه الشبكة العالمية الالكترونية من توفير المعرفة بيسر وسرعة، إنما المشكلة تكمن في غياب الوعي بأهمية القراءة ونوعية المقروء"، ثم يتساءل خميس بن قلم: "لماذا على ربة البيت أن تقرأ شعرا - مثلا - في حين أنها ستستمتع أكثر بالقراءة من مجلات الأزياء وأخبار المشاهير، إنّ وعيها بقيمة الشعر غائبة لأن متعتها قد تأسست وتعودت على القيمة الشكلية والمادية، ولماذا يكلف المراهق نفسه عناء قراءة رواية يغالب فيها اللغة والخيال بينما ستوفر له أفلام الأكشن متعة بصرية وتشويقا يناسب وعيه؟".

مكينة الكتب..عشرة عناوين
"على الشعوب العربية أن تتعظ من حكاية الأستاذ سوريانو بأن لا تنتظر من حكوماتها بناء المكتبات العامة" هذا ما يستخلصه هلال الحجري من هذه الحكاية، ويرى الشاعر أشرف العاصمي أن هذا الرجل بحماريه ومكتبته المتنقلة مثال يصرخ في وجه كل من يدعي أنه لا يتم تبني أي مشروع للقراءة الجماعية إلا عن طريق المؤسسة الرسمية أو عن طريق خطوات منظمة وعملية، "لقد علم هذا الفقير أهمية القراءة فعكسها واقعا تحييه البشرية جمعاء عليه، بينما جهلته أمة إقرأ التي تفشت فيها اليوم ثقافة المتعة بشتى صورها، وانعدم في قاموسها الكتاب ولذا ترزح تحت وطأة مختلف الويلات". فيما تخبرنا بشرى خلفان عن مبادرة شهدتها في خصب، لشباب أقاموا معرضا للكتاب، "كانوا قد اشتروا بعضها وجمعوا البعض الآخر كتبرعات من أهل المنطقة، وعرضوها للبيع بأسعار رمزية، كما أنهم أقاموا بعض المسابقات للصغار تضمن لهم الفوز بقسائم شراء هذه الكتب بحيث لا يغادر أي طفل المعرض بلا كتاب في يده". وتابعت بشرى: "كما أن لدار العطاء الجمعية الخيرية المعروفة دورا في التشجيع على القراءة ضمن برنامجها الثقافي، فبوركوا وبورك في كل من يعلمنا حرفا ويهدينا حرياتنا وانعتاقنا من الجهل". تذكر لنا بشرى خلفان مبادرة إحدى المدارس الخليجية "وضعت الكتب في مكينة شراء آلية مثل تلك التي تبيع القهوة أو البسكويت والشكولاته، بحيث يتسنى للفتيات في المدرسة شراء الكتب من المكينة، وهناك أيضا مشروع الحقيبة المدرسية التي تعيرها المكتبة المدرسية للطالبات في فترة الإجازة الصيفية، وهي عبارة عن شنطة سوداء تضم ما لا يقل عن عشرة عناوين لكل طالبة". وترى سعيدة خاطر أن الإنسان إذا أراد أن يحيا بمعنى الفعل عاش وحيا فهي ليست حياة جسدية تمر مرور الدودة على الأرض. "الحياة هي أن تفعل فعلا يجعلك حيا في ذاكرة الحياة لا يستطيع الزمن محو مرورك على المكان لأنه، مرور ثابت خالد حفر حفرا في ذاكرة المكان والزمان هذه هي الحياة التي تكون راسخة جذورها في أعماق الأرض ورأسها في السماء، والقدرات الإنسانية إذا توفرت الإرادة هي قدرات هائلة (إذا الشعب يوما أراد الحياة ... فلا بد أن يستجيب القدر )

لست بحاجة لحمارين!
يخبرنا سعيد الحاتمي عن حكاية حدثت معه شخصيا ربما تبرر تذمره بعض الشيء: "بما أنني صديق مهنة لـ لويس سوريانو. في فترة سابقة تراكمت لديّ بفعل السنوات أعداد هائلة من مجلتي(نزوى والعربي) وهما مجلتان لا يختلف اثنان على قيمتيهما الفكرية، ووصل عدد النسخ التي أملكها إلى الحد الذي لم أجد لها مكانا أضعها به" بالطبع لم تكن لدى الحاتمي نية للتخلص من مجلاته المفضلة: "ومثلما فعل سوريانو إذ فكر بطلابه فكرتُ أنا بهم أيضا. اتفقتُ مع أخصائي مركز مصادر التعلم بالمدرسة أن نخصص لهاتين المجلتين ركنا بالمركز وسنضع فيه الأعداد القديمة وسأتكفل بتزويد الركن لاحقا بنسختين من كل عدد جديد يصدر من كل مجلة. جميع من بالمدرسة راقت لهم الفكرة بشكل مدهش لدرجة أننا اضطررنا إلى منع استعارة المجلتين وقصرنا الأمر على مطالعتهما داخل المركز حتى يتسنى للجميع الاطلاع عليهما"، علق الحاتمي ضاحكا: "حتى الآن أنا لست بحاجة إلى حمارين" لا أحد يمكن له أن يتصور سعادة سعيد الحاتمي حين يدخل المركز، ويجد طلبته منهمكين في قراءة مجلة العربي خصوصا –هكذا أخبرنا – وأردف قائلا:
"سوريانو وجد من يدعم فكرته. أنا لم أكن بحاجة إلى دعم أحدهم. فقط أردتهم أن يحسنوا الظن وأن يتركوا هذه الفكرة تتربى وتنمو".


أنا أقل إيمانا منه
صمت قليلا الحاتمي ثم أردف: "مع أن الفعل بسيط ولا يستحق الذكر إلا أنني شعرتُ أنني ربما أغوي ولو طالبا واحدا لأن يصبح مثقفا- قد يصبح أديبا - أقلها سيغدو قارئا.. باختصار جاء أحد المسؤولين من خارج المدرسة، وطلب من أخصائي المركز أن يتخلص من هذه المجلات قبل نهاية اليوم الدراسي، وأن لا يدخل شيئا إلى المركز إلا من خلال موظفي الوزارة فقط. لم يكن الأمر يحتمل النقاش. فعلى حد قوله ربما يمثل فعل كهذا خطرا على توجهات الطلاب وتفكيرهم حين يقرأون مثل هذه الكتب، وكأن الطالب الآن لا يتعرض إلا لما يتكرمون به عليه من كتب".
هل كان الأمر محبطا بالنسبة للحاتمي؟، كان كذلك بالفعل، "لكنني كنتُ أقل عزما وربما أقل إيمانا من سوريانو ولم أبحث لي عن حمارين". ويضيف: "ما أعرفه أن هناك الكثير من الخروم في القربة التي يجب على أحد ما أن يبدأ برقعها."، ويضيف ساخرا: " أرأيتم ..ها أنا أيضا لا أفعل غير الشكوى والتذمر". وتتساءل سعيدة خاطر: "ألم يواجه الصغير دبابة هائلة التجهيز بمعدات الموت بحجارة؟" فهي ترى أن الأعذار تأتي لأن المشاجب موجودة بداخلنا لنعلق عليها ترددنا وتخاذلنا". ترى رحمة المغيزوية "أن أي مبادرة للحث على القراءة يجب أن تجد لها تربة خصبة قابلة للزرع والحرث ومن ثم الاستنبات مثل تلك المبادرات ،وإذا تحدثت بطريقة واقعية أكثر أجد أن بعض المعلمين يقومون بمبادرات فردية ربما لا تكون في حجم مبادرة " سوريانو" ولكنها تخدم الواقع الطلابي الذي يتعاملون به كما أن القراءة والمعرفة في هذا الوقت لم تعد قاصرة على وجود المكتبة بمعناها التقليدي وإنما أصبحت القراءة ميسرة لكل من يمتلك في ذاته حبا للقراءة ومع التنويه هنا بضرورة وجود مبادرة وطنية تبدأ من وزارة التربية _ باعتبارها الحاضنة لأكبر شريحة من المجتمع – على أن تكون تلك المبادرة مدروسة ومخطط لها لتبني مشروع قرائي يكون مشمولا بكافة الإمكانات التي تقرب الطلاب من إناء القراءة وفي المراحل المتقدمة يترك الأمر للطالب نفسه لتطوير القراءة . ومن هنا لا تعود المبادرات فردية غير مجدية أو غير متكاملة وإنما تصبح هما وطنيا".

لا تصادقهم المؤسسة بالكتب
تجد بشرى خلفان أن دلالات هذا النوع من المبادرات لها دلالة عميقة فيما يتعلق بوعي الفرد المثقف بمسؤوليته تجاه البلد والثقافة، "هذه المسؤولية التي تفترض تجاوز الأنا والمصلحة الشخصية والعمل باتجاه تحقيق الفعل بغض النظر عن الظروف المحيطة والمعوقات التي لابد منها، ولكن بالتأكيد يمكن تجاوزها، وكما أشرك سوريانو حمارين صبورين وجادين في تحقيق حلمه الذي تجاوزه حتى أصبح عالميا، أتمنى أن نتشارك بصفاتنا كلها في نشر القراءة بين الصغار والكبار". يسخر خميس بن قلم أنه من القيم الاستهلاكية الرخيصة التي تسطح الفرد، وتُغيّب قضاياه الكبرى، ويُرجع السبب إلى مؤسسة التربية المنزلية والمدرسية، فكثير من الأطفال يشبون دون أن تصادقهم هذه المؤسسة بالكتب النوعية، وهموم الإنسان."على أبنائنا أن يكبروا وتكبر معهم أحلامهم وطموحاتهم ولن يتأتى ذلك إلاّ بارتباطهم منذ الحروف الأولى بجوهر الإنسان مبثوث في القصص والكتب والأفلام والبرامج الجادّة في صناعة الإنسان وقيم الإنسانية"، بعدها يؤكد: "مرة أخرى، نحن في عمان لسنا بحاجة إلى مغامرات وأحمرة لنقل الأسفار، فالكتب يسهل توفرها حتى تكاد لا تخلو مدرسة من ( مصادر التعلم، ولا قرية من مكتبة أهلية، كلّ ما علينا القيام به - كوننا مربين - أن نغذّي أطفالنا بوجبات قرائية صحية تدعم عقولهم للإنتاج والابتكار". يصف هلال الحجري الشعوب التي لا تقرأ بأنها شعوب ميتة "إن هم إلا كالأنعام، بل هم أضل..الشعوب التي لا تقرأ هي ببساطة مطية سهلة الركوب، يمكن أن يمتطيها الدراويش و اللصوص و قطاع الطرق!".


لنشر الموضوع على الفيس بوك والتويتر Twitter Facebook

1 comments:

Noor يقول...

موضوع رائع بالفعل يعرض واقع القراءة في عالمنا كما هو و شدتني هذه العبارة بالتحديد:"ويتابع بخيبة أمل: "ونحن أمة تعرف أخطاءها وتلوكها ليل نهار ولكننا لا نبادر إلى الابتكار في وضع الحلول. فقط نحن مبدعون في الشكوى والتذمر""

^^ فعلا قول صحيح 100%
ندركه جميعا لكن ماذا نفعل لتغييره؟

إرسال تعليق

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.