03 مايو 2009

المثقفون في الحضارة العربية (محمد عابد الجابري)


قراءات: كتاب "المثقفون في الحضارة العربية: محنة ابن حنبل ونكبة ابن رشد" لـ(محمد عابد الجابري

يتعرض الجابري في هذا الكتاب إلى قضية المثقف العربي، تعريفًا وتحليلا وتمثيلا، مقدمًا لنا بحثًا من أفضل البحوث وأكثرها سلاسة في قضية المثقف العربي. يبدأ أولا في بحث إشكالية مصطلح (المثقف) في العالم العربي، وكون هذا المصطلح فضفاضًا يعني كل شيء ولا شيء. ويتتبع جذور هذا المصطلح فيجد أنه ترجمة لمصطلح فرنسي intellectuel، والذي يعني الشخص الذي لديه (ميل قوي إلى شؤون الفكر، إلى شؤون الروح) (ص21)، وهو ليس ما يعنيه المثقف في عصرنا العربي الحاضر ولا ذاك في الحضارة العربية القديمة. ثم يحاول أن يحدد الأشخاص الذين تم وصفهم بالمثقفين في فرنسا عندما ظهر المصطلح، ووجد أنهم جماعة كانت لهم (آراء خاصة بهم حول الإنسان والمجتمع، ويقفون موقف الاحتجاج والتنديد إزاء ما يتعرض له الأفراد والجماعات من ظلم وعسف من طرف السلطات، أيًا كانت، سياسية أو دينية) (ص24). ثم يبحث في هوية المثقفين في العصور الوسطى، فيجد أنهم نهلوا فكرهم وفلسفتهم وعلومهم من الحضارة العربية الإسلامية. وهكذا فإن بحث الجابري عن معنى المثقف في الحضارة العربية الإسلامية دفعه إلى البحث عن جذور هوية المثقف في الحضارة الأوروبية، مما أوصله إلى أن (المثقفين في العصور الوسطى الأوروبية هم من نتاج المثقفين في الحضارة العربية الإسلامية) (ص33). بعد ذلك يبحث الجابري في التاريخ العربي الإسلامي عن أولئك الذين يمكن وصفهم بالمثقفين من جملة الفقهاء والأدباء والعلماء والفلاسفة والنحاة، الخ. ويعتقد الجابري أن المثقف، كما وصفناه أعلاه، لا بد أن يظهر نتيجة خلاف، ديني أو سياسي أو فلسفي، وهو من يمكن أن نسميه (متكلما) أي ذا رأي. ولذلك يستعرض الجابري الخلافات الكبرى في الحضارة العربية الإسلامية، كقضية مقتل عثمان، والإمامة، وقضية الجبر، وقضية الإيمان زيادته ونقصانه، وقضية خلق القرآن، وتكفير مرتكب الكبيرة، الخ.

ومن ثم في فصل طويل يستعرض الجابري محنة الإمام ابن حنبل وقضية خلق القرآن، ويحللها بمنهجية واستقصاء رائع محاولا كشف اللغز عن ظهور هذه المحنة، فيستنتج بالشواهد التاريخية والتحليل المنطقي أنها لم تكن قضية دينية، بل سياسية.

وأخيرًا، وكما فعل مع قضية ابن حنبل، يحلل الجابري قضية ابن رشد وخلافه مع أبي يعقوب المنصور، محاولا كشف السر الذي أدى إلى هذا الخلاف، مبينا أنه أيضًا لم يكن دينيا، بل سياسيا.

هو بحث رائع لمن لديه صبر على المواضيع الفلسفية والفكرية، ولكنه بقلم واحد من أفضل الكتاب والمفكرين في العالم العربي.
لنشر الموضوع على الفيس بوك والتويتر Twitter Facebook

2 comments:

ولــــيد النبــــهاني يقول...

من أجمل ما قرأت بالفعل

لغته سهلة وبسيطة

كما يقول درويش عن الجميلات فإن هذا الكتاب يشرب في كأس ماء لسلاسته ومتعته التي تصاحب القارئ العادي حتى وليس فقط القارئ المتخصص

هناك كتاب جميل قرأته للجابري أيضا وهو الديمقراطية وحقوق الإنسان لولا أن أحدهم أفسد علي متعته بأن وصف الكتاب بأنه من الكتابات الصحفية للجابري وليس بالبحث المعمق كما هو الحال في مؤلفاته الأخرى!

أحمد حسن المعيني يقول...

العزيز/وليد
محمد الجابري قلم رائع، لا تندم على القراءة له أبدًا. قرأتُ له "تكوين العقل العربي" و "بنية العقل العربي" و "حفريات في الذاكرة من بعيد" و "مدخل إلى القرآن الكريم". الجابري باحث حقيقي ومفكر من طراز مميز.

إرسال تعليق

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.