03 مايو 2009

وأخيرا استيقظ الدب (عبدالعزيز الفارسي)

قراءات: كتاب "وأخيرًا استيقظ الدب" لـ(عبد العزيز الفارسي)

ملحوظة: يوجد وصف تفصيلي للكتاب قد يُفسد على القارئ الذي لم يقرأ الكتاب متعة القراءة!

في القصة الأولى "المستثمر" يضرب عبد العزيز الفارسي على وتر حساسٍ جدًا في المجتمع العماني المعاصر، ألا وهو حمى الاستثمار والتجارة التي اجتاحت- وما زالت- العمانيين. ورغم أن الاستثمار الذي تتناوله القصة عبارة عن تجارة في المواد الغذائية، إلا أن القصة قد ترمز إلى العديد من أوجه الاستثمار التي عرفناها في عمان، كالأسهم والعملات والأراضي والعقارات، وربما حتى الجمعيات الأهلية. ما يهمّ في القصة ليس نوع الاستثمار، بل الحَيرة التي تجتاح المُقبل عليها، والتردد والهستيريا التي تنتج من الشك في الاستثمارات. بطل القصة قد يكون كل عماني جمع "كم بيسة" هي كل ما يملك، وقرر استغلال الفرصة وتحقيق الربح، إلا أنّ ما يسمعه من سرقات ونصب وخسارات يودي به في مهالك الوسوسة.

أما القصة الثانية "أبو عيون" فلا تقل روعة عن الأولى. في هذه القصة تشعر بأن الفارسي يراوغك، يضحك معك وربما عليك! يناقش الفارسي في هذه القصة قضية "العين الحاسدة"، من خلال شخصية (الحشمير) الذي ما إن يتفوّه عن أمرٍ أو شخصٍ ما حتى يهلك. والفارسي يطرح من خلال الأحداث موقفين متوازيين، الأول هو الموقف التقليدي الذي يرى العين "حقا" وأن هناك أشخاص لديهم عين "حارة"، فيما يحاول الموقف الثاني عقلنة الأمر وردّه إلى حقائق فيزيائية أو فيزيولوجية. ربما تعبّر هذه القصة تعبيرًا خالصًا عن الثنائية التي يعيش فيها المجتمع والجيل العماني الحديث بين التقاليد والغيبيات وبين العلم الحديث.

ويستمر تميّز الفارسي في القصة الثالثة "عمتي تعرف نجيب محفوظ" التي تُحيل إلى قصة الفارسي الشهيرة "عمتي لا تعرف نجيب محفوظ". تبقى الشخصية الرئيسة (العمة) موجودة، ولكنها هذه المرة تعرف نجيب محفوظ وتعاتب ابن اخيها على نشره تلك القصة القديمة. ومثلما فعلت في القصة السابقة بدأت تحكي لابن اخيها حكاية من حكايات الحارة، يدور موضوعها حول الخادمات. قد يكون الموضوع مستهلكًا في الصحافة وغيرها، ولكنه مكتوب بشكلٍ ممتع جدًا، وعلى أية حال قضية الخادمات متجددة ولا تنتهي. والثيمة الأخرى التي يتناولها الفارسي في هذه القصة هي أثر النسوة على الحياة بين زوجين سعيدين.ما يروقني في كتابات الفارسي أنه يعبّر عن مجتمعه وهموم جيله.

في قصة "سعيد المخياط" يناقش الفارسي أكثر من قضية، إلا أن المحور الرئيسي فيها هو القروض البنكية، وحَيرة الشباب بين قلة ذات اليد والرغبة في تحقيق الحلم العماني (الزوجة/السيارة/البيت). مساكين هؤلاء الشباب الذين يشعرون بالذنب لاقترافهم الربا، ولكنهم لا يستطيعون المقاومة (ملاحظة: كاتب هذه السطور منهم للأسف!). كيف يتزوج الشاب وكيف يبني بيتًا وكيف يشتري سيارة وكيف وكيف وكيف من دون قروض بنكية تطارده إعلاناتها ليل نهار؟ والأدهى أن من يحاول المقاومة ويأبى على نفسه الحرام يجد أهله وأصدقاءه أول من يتهمه بالجنون والتقصير!

القصة الخامسة "الحريق" هي أكثر قصص المجموعة مباشرة في السخرية. يسخر الفارسي من رجال المطافئ ومن الأهالي على حدٍ سواء. قصة طريفة جدًا تثبت قدرة الفارسي على السخرية والتهكم بأسلوب رفيع.

وأما قصة "التحدي" فهي قصة غريبة بعض الشيء تتحدث عن تحدٍ بين الوالي الجبار وشخصٍ من بلدةٍ أخرى اسمه يحيى (وللإسم مغزى). تدور المناورات بين الوالي ويحيى، هذا العنيد الواثق من نفسه الذي يُعلن تحديه للوالي في عقر داره. لا أدّعي أنني فهمتُ ما يرمي إليه الفارسي، ولكن أحد التفسيرات يمكن أن يكون "كل آفة وعليها آفة"!

وأما القصة الأخيرة "الشيخ الشمسوني" فهي قصة طريفة أخرى، تناول فيها عبد العزيز الفارسي قضية "مُحدَثي النعمة" من الذين كانوا معدومين، ثم باعوا أراضيهم ومزارعهم في فترة الطفرة العقارية في منطقة الباطنة (وخصوصًا ما بين صحار وشناص) واغتنوا فجأة. سمعنا الكثير من الحكايات عن حارس مدرسة، أو سائق باص، أو مُزارع باع أرضًا أو مزرعة بمئات الآلاف أو بمليون ريال عماني. في هذه القصة نجد (الشمسوني) وقد باع مزرعته بنصف مليون ثم رغب في أن يكون من أعيان البلد. ولكن هل يتقبل المجتمع سيّدًا كان بالأمس يشغل أدنى الأعمال؟ نعم، ولا! هذا ما يطرحه الفارسي في قصته.

أقولها بصدق، هذه المجموعة القصصية من أكثر المجموعات التي استمتعتُ بقراءتها في حياتي، حيث انتقلتُ من قصة جميلة إلى أخرى جميلة وأخرى وأخرى حتى وضعتُ الكتاب. القصص مكتوبة بحرفية عالية ليست غريبة على عبدالعزيز الفارسي، حيث لا تجد تفصيلا غير لازم، ولا لغة غير مبررة. ما يعجبني في كتابات الفارسي أنه يكتب كقاصّ، لا كشاعر أو كاتب عمود. ما زلتُ أنتظر أن ينتج الفارسي روايات جديدة، فلديه نفسٌ سردي وروائي متميز أتمنى ألا يهدره.أوصي بهذه المجموعة جدًا جدًا جدًا جدًا.

10/10 يا عبد العزيز!
لنشر الموضوع على الفيس بوك والتويتر Twitter Facebook

4 comments:

يونس الحراصي يقول...

مرحبا

في الحقيقة لقد وضعت في موضوع ماذا تقرأ الآن بمنتديات مجموعة الترجمة رأيي حول هذا الأصدار ومن وبعده بفترة رأيت مشاركتك حول الكتابه نفسه...

أجد أن كلانا نظر للإصدار بنظرة مختلفة تماما

وأرفق لك هنا رأيي كما هو في المنتدى


"لقد فرغت مؤخرا من قراءة المجموعة القصيصة (وأخيرا أستيقظ الدب) للقاص والروائي العماني عبدالعزيز الفارسي

يضم الكتاب مجموعة قصصية اختار عبدالعزيز الفارسي أن يكتب حواراتها باللهجة المحلية باستثناء قصة واحدة "عمتي تعرف نجيب محفوظ"... يحاول عبدالعزيز من خلال سرده لهذه القصص أن يعرض "على استحياء" لبعض القضايا التي - تهم - المجتمع ...

في الحقيقة لم أكن أتوقع أن تكون مجموعة عبدالعزيز الفارسي بهذا المستوى، حيث أنني كنت أتوقع منه ما هو أفضل وكانت تتصدر قائمة مشترياتي من معرض الكتاب بمسقط..

قد يعتبر البعض القصص مسلية ولكنني كنت أبحث عن ما هو أكثر إدهاشا
"something makes me say wow" من عبدالعزيز الفارسي...

هذه وجهة نظري..."

أحمد حسن المعيني يقول...

العزيز يونس..
أحترم وجهة نظرك بالطبع، ولا شكّ أن لكل كتاب قراءات مختلفة. لا أعرف ما تقصد بالضبط من "على استحياء". هل تقصد عدم المباشرة؟ لا أظنها تُحسب على الكاتب بدلا من أن تُحسب له.
القصص ليس مسلية فقط، بل تتحدث عن مواضيع اجتماعية مختلفة تهم المجتمع فعلا. وهي ليست قضايا سطحية أبدًا، رغم بساطة الأسلوب والقالب الذي غلفها، فخذ مثلا قصة "الشمسوني"، ستجد الكثير من الأسئلة التي تدور في رأسك بعد القراءة:
- كيف ينظر المجتمع إلى مُحدثي النعمة؟
- كيف يتغير مُحدث النعمة نفسيا واجتماعيا؟
- هل يتقبل المجتمع هذه الفئة بسهولة؟
- هل يؤدي المال إلى تغيير نظرتنا إلى الناس؟ إن كان الجواب "لا"، فما الذي يحكم نظرتنا؟
- ما الذي يحدد "مشيخة" أشخاصٍ معينين أو "سيادتهم" في مجتمعٍ ما؟ أهو المال أم الوراثة أم الأخلاق أم ماذا؟

هذه أمثلة فقط. مرة أخرى أحترم وجهة نظرك، ولكنني وجدتُ في كثير من هذه القصص عمقًا راقني جدًا. وأكثر ما أعجبني في المجموعة بساطتها.

ولــــيد النبــــهاني يقول...

عبدالعزيز هنا هجر بعض الأساليب السائدة في كتابة القصة العمانية من قبل ليس على مستوى الشكل فحسب بل حتى المضمون الذي لا يخرج عن انكسارات عاشق هجرته حبيبته وقد كان عبدالعزيز نفسه من أركان هذا الاتجاه في القصة على الأقل حتى قبل هذه المجموعة بغض النظر عن أن المجموعة غارقة في الشناصية التامة

ولا أظن بأن العلاقة بين الدب والمال في هذه المجموعة اعتباطية!

أرجو أن يكون الدب قد استيقظ حقا يا عبدالعزيز!

عقيلة اللواتي يقول...

قرأتُ المجموعة القصصية الأسبوع الفائت واستمتعتُ بالضربات الخفيفة التي يوجهها عبدالعزيز على ظهر العقل.

جميل وممتع.

إرسال تعليق

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.